• [الإيمان قول وعمل]:
قِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ: إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ كَلَامٌ؟
فَقَالَ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ الْأَحْكَامُ،: فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ،، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَهُمْ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ فَفَعَلُوا وَلَوْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا نَفَعَهُمُ الْإِقْرَارُ، فَذَكَرَ الْأَرْكَانَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مَا تَتَابَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ وَقَبُولَهُمْ قَالَ: (الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ) الْآيَةَ، فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَسَلًا أَوْ مُجُونًا أَدَّبْنَاهُ عَلَيْهِ وَكَانَ نَاقِصَ الْإِيمَانِ، وَمَنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا كَانَ كَافِرًا.
• [النِّفَاقُ]:
لُغَةً: مُخَالَفَةُ الْبَاطِنِ لِلظَّاهِرِ، فَإِنْ كَانَ فِي اعْتِقَادِ الْإِيمَانِ فَهُوَ نِفَاقُ الْكُفْرِ، وَإِلَّا فَهُوَ نِفَاقُ الْعَمَلِ.
• [اشتمال الأذان على العقيدة].
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: الْأَذَانُ عَلَى قِلَّةِ أَلْفَاظِهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ:
لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْأَكْبَرِيَّةِ: وَهِيَ تَتَضَمَّنُ وُجُودَ اللهِ وَكَمَالَهُ.
ثُمَّ ثَنَّى بِالتَّوْحِيدِ وَنَفْيِ الشَّرِيكِ.
ثُمَّ بِإِثْبَاتِ الرِّسَالَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ.
ثُمَّ دَعَا إِلَى الطَّاعَةِ الْمَخْصُوصَةِ عَقِبَ الشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ، لِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ.
ثُمَّ دَعَا إِلَى الْفَلَاحِ وَهُوَ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ، وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَعَادِ.
• [التبرك بآثار الصالحين]
أخرج البخاري أن سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كان يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا، وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا «وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ».
كان ابن عُمَرَ يَتَبَرَّكُ بِتِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَتَشَدُّدُهُ فِي الِاتِّبَاعِ مَشْهُورٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِتْبَانَ وَسُؤَالُهُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ
[ ١٧ ]
لِيَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، وَإِجَابَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى ذَلِكَ، فَهُوَ حُجَّةٌ فِي التَّبَرُّك بآثار الصَّالِحين.
في حديث عروة بن مسعود ورؤيته تبرك الصحابة بفضلات وضوئه ﵇ فِيهِ طَهَارَةُ النُّخَامَةِ وَالشَّعْرِ الْمُنْفَصِلِ وَالتَّبَرُّكُ بِفَضَلَاتِ الصَّالِحِينَ الطَّاهِرَةِ.
• [التشاؤم]: وَقع فِي فَتَاوَى قاضيخان الْحَنَفِيِّ مَنْ خَرَجَ لِسَفَرٍ فَسَمِعَ صَوْتَ الْعَقْعَقَ فَرَجَعَ كَفَرَ.
• [أقسام البدعة]:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْبِدْعَةُ بِدْعَتَانِ: مَحْمُودَةٌ وَمَذْمُومَةٌ، فَمَا وَافَقَ السُّنَّةَ فَهُوَ مَحْمُودٌ، وَمَا خَالَفَهَا فَهُوَ مَذْمُومٌ.
وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ يُسَمَّى بِدْعَةً، لَكِنَّ مِنْهَا مَا يَكُونُ حَسَنًا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَحْسِنٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ حَسَنَة، وَإن كَانَتْ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَقْبَحٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ مُسْتَقْبَحَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ، وَقَدْ تَنْقَسِمُ إِلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ.
• [شد الرحال لزيارة قبر الرسول ﷺ]:
قال ابن تيميه بِتَحْرِيم شدّ الرحل إِلَى زِيَارَةِ قَبْرِ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْكَرْنَا صُورَةَ ذَلِكَ، وَهِيَ مِنْ اغرب الْمسَائِل المنقوله عَنْ ابن تَيْمِيَةَ.
وأما مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ: زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: بِأَنَّهُ كَرِهَ اللَّفْظَ أَدَبًا، لَا أَصْلَ الزِّيَارَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى ذِي الْجَلَالِ، وَأنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مَحَلُّ إِجْمَاعٍ بِلَا نِزَاعٍ وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قَوْلُهُ: (إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ) الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوفٌ، فَإِمَّا أَنْ يُقَدِّرَ عَامًّا فَيَصِيرَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَكَانٍ فِي أَيِّ أَمْرٍ كَانَ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ، أَوْ أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ، لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ، لِإِفْضَائِهِ إِلَى سَدِّ بَابِ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهَا فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مُنَاسَبَةً وَهُوَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ مَنَعَ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى زِيَارَةِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ مِنْ قُبُورِ الصَّالِحِينَ.
• الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ بَلْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا فَعَلَ أَفْعَالًا جَمِيلَةً كَالصَّدَقَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَنَّ ثَوَابَ ذَلِكَ يُكْتَبُ لَهُ، ويؤيده:
أ - أَنَّ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْ مَاتَ عَلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَنْفَعْهُ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بَلْ يَكُونُ هَبَاءً مَنْثُورًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ثَوَابَ عَمَلِهِ الْأَوَّلِ يُكْتَبُ لَهُ مُضَافًا إِلَى عَمَلِهِ الثَّانِي.
[ ١٨ ]
ب - وَبِقَوْلِهِ ﷺ لَمَّا سَأَلته عَائِشَة عَنْ ابن جُدْعَانَ وَمَا كَانَ يَصْنَعُهُ مِنَ الْخَيْرِ هَلْ يَنْفَعُهُ؟ فَقَالَ: (إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَهَا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ نَفَعَهُ مَا عَمِلَهُ فِي الْكُفْرِ.
• الْأَقْوَالُ تَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ:
أَحَدُهَا: التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ فِرَارًا مِنَ الرِّيَاءِ.
وَالثَّانِي: التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ لِغَيْرِ الْمَقْصُودِ.
وَالثَّالِثُ: قَصْدُ الْإِنْشَاءِ لِيَخْرُجَ سَبْقُ اللِّسَانِ.
• قَالَ ابن أَبِي جَمْرَةَ: تَرْتِيبُ الْوَارِدِ عَلَى الْقَلْبِ عَلَى مَرَاتِبِ: الْهِمَّةِ ثُمَّ اللَّمَّةِ ثُمَّ الْخَطْرَةِ ثُمَّ النِّيَّةِ ثُمَّ الْإِرَادَةِ ثُمَّ الْعَزِيمَةِ، فَالثَّلَاثَةُ الْأُولَى لَا يُؤَاخَذُ بهَا بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْأُخْرَى.
• [كرامات الأولياء]: فِي حديث جريج إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَوُقُوعُ الْكَرَامَةِ لَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ وَطَلَبِهِمْ.
• أَمْرُ الْجَمَادَاتِ أَمْرُ تَسْخِيرٍ وَأَمْرُ الْعُقَلَاءِ أَمْرُ تَكْلِيفٍ.
• ذهب ابن الْبَاقِلَّانِيِّ يَعْنِي وَمَنْ تَبِعَهُ إِلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِقَلْبِهِ وَوَطَّنَ عَلَيْهَا نَفْسَهُ أَنَّهُ يَأْثَمُ … وَحَمَلَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْعَفْوِ عَمَّنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا .. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ: (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) قِيلَ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ.
قال النَّوَوِيُّ: وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ بِالْمُؤَاخَذَةِ عَلَى عَزْمِ الْقَلْبِ الْمُسْتَقِرِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ان تشيع الْفَاحِشَة) الْآيَة وَقَوله: (اجتنبوا كثيرا من الظَّن) .. وَاسْتَثْنَى جَمَاعَةٌ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ مُؤَاخَذَةِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْهَمُّ بِالْمَعْصِيَةِ مَا يَقَعُ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ وَلَوْ لَمْ يُصَمِّمْ لِقولِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بظُلْم نذقه من عَذَاب اليم).
• وَقَعَتِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ كَمَا فِي رُؤْيَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ مَعَ يُوسُفَ ﵇، وَرُؤْيَا مَلِكِهِمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ هِيَ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، وَمَعْنَى صَلَاحِهَا اسْتِقَامَتُهَا وَانْتِظَامُهَا قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ رُؤْيَا الْفَاسِقِ لَا تُعَدُّ فِي أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ.
• سئل الإمام مَالك: أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ؟ فَقَالَ: أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ.
[ ١٩ ]