٥٠ - روى أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: حدثنا محمد ابن داذ الكاتب قال: لما ولى أبو جعفر المنصور الفنجر الساني عملًا، فألزم مالًا فمنعه. فأمر المنصور أن يحبس. فحبس في دار العذاب؛ وكانت إلى جانب المطبق. قال: فعذب؛ فلم يقر بشيء. فلما طال ذلك، كلم معي فيه؟ المنصور فقال: «إني عزمت أن لا يخرج من حبسه وهو مقيم على هذه المراغمة، ولكن لأجل شفاعتك أنفذ إليه بمال يؤديه وأطلقه.» فبعث إليه بمقدار ذلك، وهو مائة ألف درهم، وهو القدر الذي كان يطالب به. فلما صار ذلك إليه حمله إلى منزله. وقال له المستخرج: «احمل الآن المال.» فقال: «أي مال؟» وجحد ما حمل إليه. فأعيد عليه العذاب. فلم يقر بشيء. فبلغ ذلك المنصور، فقال: «هذا شيطان! أردنا أن نأخذ منه مالنا، فأخذ مالًا ثانيًا وجحده.» فخلى سبيله، ولم يوله شيئًا. فكان يضرب به المثل، ويقال: أصبر من الفنجر.
٥١ - روي أنه قدم عقيل بن أبي طالب على علي أخيه وهو بالكوفة يسأله مالًا. فقال للحسن: «اكس عمك.» فكساه قميصًا من قمصانه، ورداء من أرديته. فلما حضر العشاء، دعا علي العشاء. فإذا كسر تتقعقع يبوسة، فقال عقيل: «أوليس عندك إلا ما أرى؟» قال علي: «أوليس هذا من نعمة الله كثيرًا؟ فله الحمد والشكر.» فقال عقيل: «يا أمير المؤمنين! لا
[ ١ / ٤٨ ]
ضير إذ كان هذا، أعطني ما أقضي ديني، وعجل سراحي لأرحل عنك.» فقال علي: «فكم دينك؟» فقال: «أربع مائة ألف درهم.» فقال علي: «فما هي عندي، ولا أملكها، ولكن تصبر حتى يخرج عطائي فأقاسمك.» فقال عقيل: «بيت المال في يدك، وأنت تسوفني؟» قال: «والله يا أخي ما أنا وأنت في هذا المال إلا بمنزلة رجل من المسلمين.» وجعلا يتكالمان في هذا وهما فوق قصر الإمارة مشرفين على صناديق أهل السوق. فقال علي: «إذا أبيت ما أقول، فانزل إلى بعض هذه الصناديق، فاكسرها وخذ ما فيها.» قال عقيل: «أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكلوا على الله وجعلوا أموالهم فيها واتكلوا عليها؟» قال: «أفتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين وقد توكلوا على الله، وهم يرجون قبضها، وأنا متقلد أحدها من وجوهها ووضعها في حقوقها؟ فإن أبيت ما أقول أخذت سيفًا، ثم أخذت سيفًا، ثم انطلقنا إلى الجير، فإن فيها تجارًا مياسير، فدخلنا على بعضهم وأخذنا أموالهم.» قال عقيل: «أسارقًا جئت؟» قال علي: «فلئن تسرق من واحد خير من أن تسرق من كافة المسلمين.» قال عقيل: «فائذن لي أن آتي هذا الرجل؟ - يعني معاوية- غير متهم لي أني إليه هجرت، ولا عنك صدرت، ولا به انتصرت.» قال: «قد أذنت لك.» قال: «فاعني على سفري إليه.» قال: «يا حسن! أعط عمك أربع مائة درهم.» فأعطاه إياها. فخرج من عنده، وهو يقول:
سيغنيني الذي أغنى عليًاّ فيدركه إلى الرحم الطلوب
[ ١ / ٤٩ ]