٨١ - فصل
قال حنبلي: إني لأعجب من قوم ينتمون إلى مذهب تسميةً، ثم يخرجون منه معنىً، فيدعون السنة والظاهر، فيقولون: «نحن لا نتخطى النطق إلى تأويل ولا تفسير.» حتى إنهم؟ تحرجوا من تسميته سح سخيًا، ولغن سمى نفسه سح كريمًا؛ من حيث علموا أن العرب عنوا بالسخاء والرخاوة، من قولهم: «أرض سخية كالسبخة» فإنها لا تتمسك بما يقع فيها من الماء، وتحرج بعضهم من تسميته ذاتًا. وقالوا: «هو اسم تأنيث»؛ بل يسميه «ذو» وإن كان قد جاء بمعنى «الذي». قال الفراء لرجل سأل عنه في مجمع فقال: «أين الفراء؟» فقال الفراء: «أنا الفراء ذو سمعتَ.» ولا يحسن إبداله بـ «ذات»، بأن يقول: «أنا الفراء ذات سمعت بي.» وأثر ما يجيء «ذو» مضافًا مثل قوله سح: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش﴾، ﴿ذو العرش المجيد﴾، أنا الله ذو ثلة خلقت الخير والشر وطوبي لمن جعلت الخير على يديه والويل لمن جعلت الشر على يديه، وقوة ﴿ذو القوة المتين﴾. ولم تجيء «ذات» كذا إلا في الأنثى. فقولهم «أسماء ذات النطاقين» أضيفت إليها المكرمتين وهي إعانة النبي صلع بخيطين شد بهما مزوده. فأضيفت إلى ذلك لا لمحل الخيط في نفسه لكن لمحل الإعانة على الكربة
[ ١ / ٦٥ ]
العظيمة. وكان الإسكندر يخاطب أمه بـ «ذات الحلم». فلما مرِض مرَض الموت كتب إليها: «يا ذات الحلم! إذا وصل كتابي هذا فاعملي طعامًا واستدعي إليه من النساء من لم تصبها مصيبة.» فتأملت ذلك فقالت: «نعي والله إلى نفسه.»
وإذا كان يقال «ذو» في المذكر «وذات» في المؤنث لا يحسن أن نقول في الباري «ذات» لأنه لاسم ناقص، واسم التأنيث بالإضافة إلى اسم التذكير اسم ناقص. ولهذا تأول ابن عباس قوله سح وتع: ﴿تعلم ما في نفسي﴾، قال: في علمي.
وقد اعترض على هذا الحنبلي الذي أنشأ هذا الفصل فقال: من دخل على هذا يجب عليه أن لا يقول «لله صفة هي قدرة وحياة» لأنهما مؤنثان. كما أنه لا يجوز عليه نقص، لا يجوز على صفاته نقص. قال الحنبلي: وهذا الفصل أخرجته مخرجًا يخرج القوم عن التوسع في الأسماء. وإنما عرض لي في الكلام؟ في «ذات» و«ذو» فلم أغفل عن سطر لئلا يشذ عني. فإذا ثبت هذا، كيف يحسن بهذه الطائفة أن تتوسع في قوله سح: ﴿ثم استوى على العرش﴾ «استقر» أو «جلس» فقالت: «استواء استقرارٍ»؟ وهذا يصرف من أخذ الاستواء في حقه ما اعتقده من استواء الملك على السرير، ونوح على سفينته، واستواء السفينة على الجودي، والراكب على مطيته وسرجه. وهذا بعينه هو التشبيه الذي لا يليق بمذهب من تجعد عن التصرف في الأسماء بالمعنى.
[ ١ / ٦٦ ]
وحيث تجاسروا هذا التجاسر كان يجب ألا يتجعدوا عن تصريفهم لقوله تع ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ أن يقولوا: «نفخ بفيه إلى ذات آدم المجوفة صفته التي هي الروح. وكذلك نفخ في فرج مريم إذ لا يعقل من النفخ إلا ذلك. بدليل نفخ عيسى في الطائر حيث قال: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾، فينفخ فيه فيكون طيرًا. فلما وجب أن لا ينصرف في النفخ المضاف إليه، ولا الروح التي أضافها إليه، أنه إخراج هواء وبعثه من فم إلى مجوف، ولا أن الروح المنفوخ منها أو المنفوخة صفة لله أولجها بذلك النفخ في جثة آدم ولا فرج مريم؛ لكن تفسير هذا ما جمعه الباري في كلمة تليق به فقال: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾. ثم ذكر المماثلة في المادة التي خلقه منها وهي التراب، ثم ذكر معنى الخلق وما خلقه عنده أو به فقال: ﴿ثم قال له كن فيكون﴾، ﴿الحق من ربك﴾، أي هذا هو الحق من ربك، ﴿فلا تكن من الممترين﴾ في أن بيني وبين عيسى الوصلة التي توهمتها النصارى من أن كلمتي حلت، أو صفتي ولجت، أو أنه تولد عن كلمتي، أو أنه متعلق علي تعلقًا يزيد على آدم. فوجب على من سلك طريقة التحرج وفهم ما تحت قوله ﴿استوى على العرش﴾ «استقر» ولا ﴿لما خلقت بيدي﴾ «عجنت طينة بجارحتين ذات أصابع فانسل الطين من بين أصابعي»، على ما توسعوا به. وتوسع الهروي؟ الأنصاري في قوله، ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾، ﴿في كتابٍ مكنونٍ﴾، أنه حال في الصدور والصحف. وكان هذا من أعظم التجرؤ على القديم سح.
[ ١ / ٦٧ ]