قال حنبلي: فهذا لا يضرني. لأنه يجوز أن يكون إنما أبعدهم مع القرابة لحق له. وقد يحرم الإنسان حقًا له لأجل إساءة؛ كما حرم القاتل الإرث والمفارقة وقت قصد الأعداء خذله والإغراء به. وهذا لا يمنع كون القرابة علة. ولهذا لم يعط من كان معه من تيم وزهرة، وإن كانوا لم يفارقوه. فأبو بكر ما فارقه؛ لكن لما عدمت القرابة لم يعطه.
وذكر فيها مالكي أيضًا، فإنه يوافق الحنفي في اشتراط الفقر: إن النبي صلعم قال للفضل حيث طلب العمالة على الصدقات: «أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس؟» فجعل الخمس إغناء. فالظاهر أنه للقرابة كالزكاة للأجانب. ثم الزكاة جعلت لإغناء الفقراء. كذلك الخمس المأخوذ من الخمس جعل إغناء على سبيل البدل عن الإغناء بالزكاة.
١٤ - قال قائل: لو أن الله سح عذب الأنبياء وأدخل الكفار النار، لكان منه حسنًا.
قال له معترض عليه: يا هذا! ما تعرف عوار ما تقول ومقدار الكفر الذي تحته! فإن القرآن كلامه. ومن حيث كان كلامه يستحيل عليه الكذب. وقد يضمن الخبر عن نعيم أقوال معينين وتخليدهم الجنة. وتجويز إخلاف الوعد تجويز للكذب. وحاشا كلامه من الكذب، لا محاشاة مدح
[ ١ / ٢١ ]
مسعان، بل محاشاة إحالة. كما يستحيل على علمه الجهل، وحياته الموت، «وقدرته العجز، كذلك يستحيل على صفته، التي هي الكلام، الكذب. فكما أنه لا يجوز على كلامه الكذب، كذلك لا يجوز إدخال النار من أخبر أنه سيدخله الجنة. فبهت المتكلم بذلك.
وجعل أقوام يحتجون بذكر الأقدار على مبالغ في الوعظ والإزعاج بذكر آي الوعيد. وكان الواعظ حنبليًا محققًا في الفروع والأصول يدري ما يقول. فقالوا له: كلامك كلام قدري، لا حنبلي! فقال: أنا لا أدري من القدر ما يقيم لكم الحجة، ويقطع لساني عن خطابكم وعتبكم على إهمال الأعمال. والذي قدر القدر هو الذي أمر الأنبياء بالبلاغ؛ ويهدد على تركه، حتى قال: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت﴾. وقال: تركتم علمًا نافعًا ألجمه الله بلجام من نار. فلما جاء إلى القدر قال: إذا ذكر القدر فأمسكوا. فدل على أنه ليس من العلم النافع. ولما قالوا له: «ألا نتكلم؟» قال: «لا! اعملوا وسددوا وقاربوا.» ثم تلا: ﴿فأما من أعطى واتقى﴾ ﴿وصدق بالحسنى﴾ ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾، وتلا إلى آخر الآيات.