فاستدل فيها حنبلي بأن النكاح ليس المال فيه أصليًا في القصد، بل تابع، والأصل إنما هو طلب الكفاءة والحظ الأكبر ذلك. والأب هو الغاية في الإشفاق، فلا تذهب نحوه تهمة. فإذا نقصها من الصداق،
[ ١ / ٢٢ ]
علم أنه رفع ذلك وسد الخلل فيه بزيادة في الجمال والكمال الذي تدوم به العشرة، وتصفو به الألفة، من أخلاق تنضم إلى كرم الأصل وشرف النسب. فلا يعيرها ولا يؤذيها ولا ينقصها حقًا من حقوقها. والثقة بهذه الخلال والحظوة بتحصيلها أنفع لها من التوثق بالمهر الذي غاية ما فيه ارتهانه به وخوفه من نقله والمطالبة به؛ وبخوفه من الطلاق خوفًا من كثرة نصفه «قبل الدخول، ومن ثقل حملته بعد الدخول. فإن التوثق بكرم الطباع أحرى من التوثق بالخوف من المطالبة بالمال.
اعترض عليه شافعي فقال: لا أسلم أن المهر تابع، بل أصل ومقصود قصد الأعواض في سائر المعاوضات. يفسخ العقد عند أبي حنيفة لأجل الجب والعنة لعدم استقراره وتعذر ما يقرره. ويفسخ عندنا وعندك، يا حنبلي، لأجل الإعسار به وبالنفقة. ويثبت شرعًا وتسميةً ويرد بالعيب ويحبس عليه الزوج وتحبس الزوجة نفسها عن التسليم إلى الزوج لأجله. وأما قولك إن الأب كامل الشفقة، لكنه غير معصوم في نظره. فإذا تحققنا بحبسه لحظها من المال تردد الأمر عندنا بين ما ذكرت من الخير وبين الخطأ والزلل في حقها. وكم ممن لا يدهى من جهة الإشفاق لكن يدهى من الخطأ في النظر، كالأب الفاسق أو المبذر! ولأن هذا لو صح، فهلا جعلته في المال علة إذا جاء بأموالها في الأشربة والبياعات، وحملت ذلك على أنه طلب؟ فالمحاباة تحصيل حظ إما من جهة سلطان بقصد حمايته وحراسته
[ ١ / ٢٣ ]
لأموالها، أو إفاضة جاهه عليها. ولعله اشترى لها المعيب محصلًا لقيمة فيه توفي على العيب. فلا توجب عليه فسخ العقد لأجل العيب وتجعل عقده على المعيب الذي ابتاعه لها لازمًا في شرى الأب. ولا تملك به الرد ثقة بنظره لها.
قال الحنبلي: أما جحدك أن المهر تابع، ودعواك أنه متبوع وأصل ومقابل، لا يصح. لأن فساده لا يفسد العقد، وترك ذكره وإخلاء العقد من تسميته أيضًا لا يمنع انعقاد العقد، وامتهان حبسه وقدره لا يعترض به على المرأة، وامتهان جانب الزوج بين مفسد أو معترض. فلو رضيت بحب القطن وقشور الجوز وكسار الزجاج وخلقان النعال كل ذلك حبس يزرى. وقلة القدر أيضًا يزرى. ولا يعترض عليه فيه. ولو أراد الأب الاعتراض عليها فيه، إذا كانت «بالغًا، ما ملك؛ ولا ولاية للأب مع بلوغها ورشدها وحسم أمر الزوج في حقها. حتى إنها لو تلفظت بتزويج نفسها لم يصح. وذلك خوفًا من تزوجها من بعض من نسبها. ولو عدم في جانب الزوج الشرف ووجد فيه خساسة الحسب أو النسب أو الدين أو الصناعة، كان ذلك بين اعتراض يفسخ لأجله أو إبطال للعقد من أصله. فبان أن المهر بهذه الجملة تابع، لا مقصود أصل. والمسامحة به ممدوحة، والمسامحة بالكفاءة مذمومة. وقد بعد العوض فيه عنه، حتى قيل إنه كالعقد المنفرد بنفسه. فأين حكم العوضية فيه؟ وأما الخطأ الذي
[ ١ / ٢٤ ]
تعلقت به فإنه وإن كان مجوزًا، إلا أن الأمر لا يحمل إلا على الظاهر. وليس النكاح مما يعقد عن بادرة كبادرة البياعات في الأسواق. ولا هو كبيع السلع التي تتعاطى السوقة. بل هو عقد تجمع له الآراء وتحمد، وتجتمع له العشيرة، وتبسط فيه المشاورة؛ ويجمع الأب رأيه في بغاية الجهد مع كمال إشفاقه. فأين الخطأ مع هذا الاحتياط؟ وجرت عادة الناس أن لا يعقد إلا بعد الإطالة والمراجعة. ولهذا لم يدخله الخيار المتأخر عنه. لأنه لا يؤخر رأيه عن عقده، بخلاف سائر المعاوضات. ويخالف ما ذكرته من محاباته في عقود الأموال. لأن تلك لا يلحقه بها عار في نفسه، ولا يتحصل بها نفع في نفس مقصود العقد. ومتى كان في العين المبتاعة غرض جاز بذل المال في مقابلته، كمسألتنا.