قال حنبلي: لفظ البينونة يقتضي من طريق الوضع القطع في الحسيات من طريق المشاهدة. فينبغي إذا أضيف إلى الحكميات [أن] يقتضي قطعًا حقيقة. وليس مع الرجعة قطع. لأن الرجعية زوجة يملك الزوج استدامة نكاحها بلفظ يخصه من غير رضا الزوجة ولا عوض. ويقع طلاقه عليها، ويرثها وترثه. وهذا كله من خصائص الوصلة وقطع حقيقة لا تبقى معه وصلة ولا صلة.
قالوا له أصحاب الشافعي: فلفظ موضوع على زعمك لمعنى. فلماذا
[ ١ / ٢٧ ]
اعتبرت النية؟ ألا ترى أن لفظ الطلاق لما كان موضوعًا للإطلاق من حبس الزوجة كيف لم يفتقر إلى النية؟ وعلى أن هذا باطل بلفظ الطلاق فإنه يقتضيا لإطلاق على الإطلاق من غير بقاء وصلة وعلقة يكون معها نوع حبس. ومع ذلك فإنه تثبت معه رجعة. ولأنه يبطل بمن قال لزوجته «أنت طالق لا رجعة لي عليك» فإنه يقتضي بصريح لفظه نفي الرجعة. ثم لا ينبغي الرجعة.
أجاب الحنبلي بأن قال: أما اعتبار النية فلم يكن لكون البينونة قاطعة، بل ذاك مستفاد من اللفظ، لكن ليقطع «بينونة عن بينونة. وذلك أنها مشتركة بين «بان» انقطع من الخير والشر والنكاح، و«بان» بمعنى انكشف، و«بان» بعدما بان الخليط. فالنية يحتاج إليها ليبين أنها منقطعة من النكاح، لا أنه يحتاج إليها ليجعل الكلمة ويخصها بالقطع، بل ليميز قطعًا عن قطع. وأما لفظ الطلاق فإنه غير مشترك. ولم يوضع إلا للزوجة. فلا يرد في لفظه ولا معناه. وأما قولك إن لفظ الطلاق يقتضي الانطلاق بالكلية، فكذلك نقول. ولذلك الطلقة قبل الدخول والثلاث تمنع بقية حبس، بل تنطلق به الزوجة كل الانطلاق. وأما الطلقة الواحدة بعد الدخول فإن الرجعة جاءت من قبل الشرع تحكمًا. فإن التقييد عن الانطلاق بالشرع مخرجًا لها عن حكم الأصل. وأما قوله «أنت طالق لا رجعة لي عليك» فيقع بها طلقة بائن، أو ثلاثًا على خلاف الروايتين. لأن هذا صفة وصف بها الطلقة، كما لو قال «أنت بائن».
[ ١ / ٢٨ ]
لأن معنى وصف الطلقة بأنه لا رجعة معها هو أنها بائن. وأما إذا قال «ولا رجعة لي عليك» فإنه عطف بالواو، فلم يلحق. كما قلنا إذا قال في حق غير المدخول بها «أنت طالق طلقة معها طلقة» وقع طلقتان. ولو قال «طلقة وطلقة» لم تقع الثانية. لأن الواو جعلتها جملة أخرى. هذا هو الصحيح عندي، خلاف أصحابنا. وإلى هذا ذهب أصحاب الشافعي، وأنه لا يقع المعطوفة بالواو.