فعول على من نصر مذهب أبي حنيفة على أن القتل إفساد لبنية الآدمي، وهو الغاية في العقوبة؛ فلا يقابل الإفساد إذًا إلا نادرًا. وإفساد الاعتقاد الصحيح بعد ثبوته وترسخه في القلب لا يكاد يقع إلا [نا] درًا. وإنما الذي يدوم به الفساد الحراب والمرأة؛ وليست صالحة «لهذا النوع.
فاعترض شافعي فقال: لا شك أن هذا يعطي تعظيم شأن الاعتقاد الإسلامي لوضوح دلائله وبراهينه. والعادل عنه لنوع شبهة مرتكب للعناد، وهو الغاية في الفساد. والفساد العظيم، وإن لم يدم، يستحق به الإفساد. والدليل عليه الزنا؛ وإن كان فيما أوسع الله من النكاح وملك اليمين ما لا يبقى لطلبه إلا النوادر الذين هم العادون. كما قال الله تع ﴿فمن ابتغى وراء ذلك﴾ -يعني وراء النكاح وملك اليمين. ومع ذلك وجب به إفساد البنية بالرجم.
قال من نصر مذهب أبي حنيفة: ذاك يفسد الأنساب والفرش بخلط المياه؛ فما وقف على كونه جريمة بالفرج.
قال الشافعي المعترض: فالكفر هو الغاية في الفساد. ومضرته بإفساد الدين توفي على إفساد الحراب. والنساء سريعات الانخداع للشبهة. فلو قلنا لا يقتلن لما احدسهن إلى الشبهة. وكفى بإفساد الدين مخزية لا تحتاج
[ ١ / ٣٥ ]
إلى انضمام الحرب. ثم هذا يجوز أن يقال في الكفر الأصلي قبل الالتزام. فأما في الكفر جاء على التزام إيمان فكلا، بدليل العميان والشيوخ العتاة والرهبان كففنا عن قتلهم لا نكفافهم. ولو ارتد عن الإسلام أمثال هؤلاء قتلوا. ولو وقع في الأسر أحد هؤلاء لم يقتلوا. ولا تحبس المرأة من أهل الحرب على الإسلام. ولو ارتدت حبست. والحبس عذاب إلى أن تسلم. فأين كفر الأصل من كفر الردة؟ وهذا لأنه كفر بعد التزام؛ والكفر الأصلي قبل الالتزام. على أن جميع ما أشرت إليه يعطي أن القتل يحصل لأجل الفساد، وأن الأصل في بني آدم أنهم خلقوا للعبادة لا للإفساد لذواتهم ولا لقتلهم، إلا أن يفسدوا. والرجال أهل للإفساد بالحراب، والنساء بخلاف ذلك. وهذا ليس بصحيح لأن أكبر الفساد والإفساد الكفر. ونحن لا نقتل الرجال لأجل قتالهم، بل لأجل كفرهم. والله تع صرح بذلك ونص عليه؛ فقال في المنع من القتال والقتل في الحرم: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾. ثم «قال: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾. والفتنة هنا الكفر. وقال: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾؛ ولأن الكفر إفساد للدين والقتال إفساد للدنيا والعقوبة تعلو أكبر الجريمتين ولا تعلق على أدناهما إذا اجتمعا.
قال حنبلي يساعد مذهب أبي حنيفة: فقط أسقط القتل لما عاد بمصلحة الدنيا وهو بذل الجزية. وليس في بذل الجزية صلاح للدين ولا
[ ١ / ٣٦ ]