قال حنبلي: عقوبة تجب بالكفر. فسقطت بالإسلام، كالقتل.
قال الشيخ الإمام جمال الإسلام أسعد: إن أردت أنها في الأصل عقوبة، مسلم؛ وأما إن أردت أنها تستوفي عقوبة، فلا. وكيف تكون عقوبة وهي قد جعلت الذمي محقون الدم، مبسطًا في دارنا، وثبوت عبادته في دارنا وهو محمي الجانب بنا. حتى لو قصد قريته أو حلته قوم من أهل الحرب جهزنا إليهم عساكر الإسلام حامية له، ذابة عنه، مخاطرة بأنفسها، منفقة لأموالها في ضمانته. فهذه من أكبر الكرامات. فكيف يدعيها عقوبة وقد جلبت هذه الكرامة؟ فإن نظرت إلى أنها تخسير في المال، فانظر إلى من بذل الأيمان الخطيرة الكثيرة في ثمار يأكلها، وثياب يلبسها، وسمى الأيمان عقوبة.
فأجاب الحنبلي المحقق عن هذه الجملة، فقال: أنا أرثي له من هذه الكرامة. فإنك إذا خلفت إقامته في دار الإسلام، رأيته مذلة لا كرامة. فأقول: نصراني جاء من بلاد الروم، من دار الحرب، وهو حرب، فأعطي الأمان. وكان معه تجارة. وله قريب ذمي في دارنا. فقال: «كيف أنت
[ ١ / ٥٨ ]
ههنا؟ حتى إن كان مقامك كريمًا عقدت معهم الذمة وأقمت عندك.» وأنا أوازن بما ذكرت من ومن ومن ما أذكره، هل هو مخرج لما ذكرت عن كونه كرامة أو لا.
فقال: «حدثني، أنا رجل أتجر هناك في الخمر والخنازير وأنجر الصلبان. هل ههنا سوق أبيع فيها هذا؟» قال: «لا؛ ومتى أظهرتها لتتجر فيها؟ أهرقت، وقتلت الخنازير، وكسرت الصلبان، [و] صفعت الصفع الوجيع.» قال: «هذه واحدة في المال. حدثني، فإن أردت أن أقعد على دكاني لبيع البقالة، لا الخمر، أتلو الإنجيل بصوتي، أقر على ذلك؟» قال له: «في نية الذمي لا، بل تصفع الصفع الوجيع.» قال: «أردت أن أخرج من فواضل أموالي ما أبني إلى جنب بيعتكم هذه بيعة أخرى، أو في محلة أخرى، أمكن من ذلك؟» قال: «بل تصفع وتضرب ويهدم ما بنيت.» قال: «أنا رجل أضرب بالناقوس هناك. فهل إن ضربت به ههنا، أمكن من ذلك؟» قال: «بل تصفع وتضرب ويكسر الناقوس على رأسك.» قال: «فإن مات لي صديق فأخرج جنازته بالقرابين والشموع نهارًا، أمنع من ذلك؟» قال: «وأي منع! صفع، وضرب، وتكسير الشموع، وتفريق الجموع، وصفع القرابين.» قال: «فإن كنت على دكاني، فأردت أن أتناول قدحًا من خمر كما أتناول قدح سكنجبين، أمنع من
[ ١ / ٥٩ ]