بعد أن ذكر الله جل وعلا هذه الآية المباركة التي فيها أصول العقائد، وفيها التمجيد والتعظيم والتحميد لرب العزة والجلال ﷻ، قال الله جل وعلا: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، بعض العلماء كـ الشعبي وغيره يجعلون هذه الآية في اليهود والنصارى، فيقصرونها عليهم، أي: لا تكرههم يا محمد وأتباعك على الدين، ما داموا يؤدون إليك الجزية.
وأكثر أهل العلم وهو الحق أن هذا منحى غير صحيح؛ فإن الآية عامة، وإنما المقصود منها: أن مسائل العقائد لا يمكن فرضها، فإنه يمكن لنا أن نجبر الناس على مسألة عملية كأن نطعمهم ما نريد؛ فيأكلونه قهرًا، أو أن يقهر على أن يخطو خطوات إلى مكان ما، أو أن ينزل من علو، أو ما أشبه ذلك مما يمكن جبر غيرك عليه، لكنه لا يمكن لأحد كائنًا من كان أن يجبر أحدًا على عقيدة يقرها في قلبه؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة ما في قلوب الناس، إلا إذا تلفظوا وأفصحوا عما تكنه ضمائرهم وتحويه سرائرهم، على ذلك قال الله جل وعلا: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦].
ولم يا ربنا ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]؟ لأن التوحيد دين الفطرة ظاهر لا يحتاج لأن تكره الناس عليه، ولا سبيل أصلًا إلى إكراه الناس عليه.
ثم قال ربنا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فلابد من الجمع بين هذين الأمرين العظيمين، أي: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإذا تحقق من امرئ أن كفر بالطاغوت ونبذ كل إله يعبد دون الله وآمن بالله، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ [البقرة:٢٥٦]، أي: بصنيعه هذا ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦].
وقال الله: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]، (لا) هذه نافية وقد مرت معنا.
وهناك فصم وقصم، فكلاهما يعنيان النزع، لكن الفصم يقع ثم يبقى تعلق من ذلك المفصوم بأصله، ولو خيطًا دقيقًا أو رفيعًا، أما القصم فهو إزالته بالكلية، والبينونة ما بين ما قصم وما بين أصل الشيء، فلما نفى الله جل وعلا الانفصام كان ذلك من باب أولى نفيًا للانقصام.
فيصبح من حقق هذا الأمر وهو نبذ الطاغوت والكفر به، وتوحيد الله جل وعلا والإيمان به، فقد استمسك بالعروة الوثقى استمساكًا عظيمًا لا يشوبه شائبة، عبر القرآن عنها بقول الرب ﵎: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] أي: سميع للأقوال عليم بالأفعال، وهو الرب الجليل العظيم الكبير المتعال.
[ ١٢ / ٦ ]