وفي أحد الذي قال عنه النبي ﷺ في هذا الحديث الذي بين أيدينا اليوم: (اثبت أحد) وقعت غزوة أحد، وهي غزوة وقعت -كما هو معلوم- بعد بدر في السنة الثالثة، وفيها وقعت أحداث عظام منها: شج رأسه الشريف ﷺ، وكسر رباعيته، وسيلان الدم على وجنتيه، وكفى بذلك حدثًا في تلك المعركة، كما أنه قتل في تلك المعركة عمه حمزة، وحمزة من أسود آل البيت، ومن أحب الناس إلى رسول الله ﷺ، قتله الوحشي غلام لبعض آل بني أمية، كما وقع في تلك المعركة قتل كثير من الصحابة، فقد وصل عددهم إلى سبعين شهيدًا، قال الله جل وعلا في القرآن: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠]، وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران:١٦٥]، فالنبي ﷺ قتل من أصحابه يوم أحد سبعون، وكانوا قد قتلوا في يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، ولعل هذا من أقرب المعاني لقول الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران:١٦٥]، في أحد كذلك أمر النبي ﷺ الصحابة أن يدفنوا شهداءهم في أرض المعركة، وإلى اليوم ما تزال القبور باقية بجوار الجبل، والنبي ﵊ قبل أن يموت لما شعر بدنو أجله وقرب رحيله أتى إلى هؤلاء الشهداء الكرام فسلم عليهم واستغفر لهم ودعا لهم كالمودع، ومن باب الوفاء معهم، وهذا من دلائل عظيم وفائه ﷺ لمن بذلوا المهج والنفوس والدماء من أجل نصرة دينه صلوات الله وسلامه عليه، يقول في مثل هذا أو قريب منه: وفتية لا تنال الأرض أبناءهم ولا مفارقهم إلا مصلينا المقصود من هذا: أن تلك الأنفس كانت عظيمة جليلة بذلت دماءها وأرواحها وأنفسها من أجل نصرة دين الله جل وعلا، فقام نبي الأمة ورأس الملة وسيد الأمة ﷺ وهو يشعر بدنو الرحيل وقرب الأجل ومفارقة الدنيا إلى ذلك الموضع فسلم على أهله، واستغفر لهم، ليكون بعد ذلك سنة، وإلى اليوم في مدينة رسول الله ﷺ يقدم الناس والزوار لزيارة شهداء أحد اتباعًا لسنة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نعلم أن على تلك القبور لا يملكون لنا ولا لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، لكنها سنة يؤدى لهم فيها بعض الواجب ﵃ وأرضاهم أجمعين.
[ ٣ ]