وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ - أَيْضًا -: مَا حَكَى اللَّهُ ﷿ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - مَعَ إِسْلَامِهِمْ، وَعِلْمِهِمْ، وَصَلَاحِهِمْ -: أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾.
وَقَوْلُ أُنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ»، فَحَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَّ هَذَا مِثْلُ قَوْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾.
[ ٧٢ ]
وَلَكِنْ لِلْمُشْرِكِينَ شُبْهَةٌ يُدْلُونَ بِهَا عِنْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ لَمْ يَكْفُرُوا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ»؛ لَمْ يَكْفُرُوا.
فَالجَوَابُ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَفْعَلُوا.
وَكَذَلِكَ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلُوا.
وَلَا خِلَافَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ لَكَفَرُوا.
وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّ الَّذِينَ نَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ لَمْ يُطِيعُوهُ، وَاتَّخَذُوا ذَاتَ أَنْوَاطٍ - بَعْدَ نَهْيِهِ -؛ لَكَفَرُوا.
وَهَذَا هُوَ المَطْلُوبُ.
[ ٧٣ ]
وَلَكِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تُفِيدُ: أَنَّ المُسْلِمَ - بَلِ العَالِمَ - قَدْ يَقَعُ فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الشِّرْكِ لَا يَدْرِي عَنْهَا.
فَتُفِيدُ: التَّعَلُّمَ وَالتَّحَرُّزَ، وَمَعْرِفَةَ أَنَّ قَوْلَ الجَاهِلِ: «التَّوْحِيدُ فَهِمْنَاهُ»؛ أَنَّ هَذَا مِنْ أَكْبَرِ الجَهْلِ، وَمَكَائِدِ الشَّيْطَانِ.
وَتُفِيدُ - أَيْضًا -: أَنَّ المُسْلِمَ المُجْتَهِدَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ كُفْرٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي، فَنُبِّهَ عَلَى ذَلِكَ وَتَابَ مِنْ سَاعَتِهِ؛ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ؛ كَمَا فَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَالَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
[ ٧٤ ]
وَتُفِيدُ - أَيْضًا -: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكْفُرْ فَإِنَّهُ يُغَلَّظُ عَلَيْهِ الكَلَامُ تَغْلِيظًا شَدِيدًا؛ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
***
[ ٧٥ ]