وَيُقَالُ لَهُ - أَيْضًا -: قَوْلُكَ: (الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ)؛ هَلْ مُرَادُكَ أَنَّ الشِّرْكَ مَخْصُوصٌ بِهَذَا، وَأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الصَّالِحِينَ وَدُعَاءَهُمْ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ؟
فَهَذَا يَرُدُّهُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ كُفْرِ مَنْ تَعَلَّقَ عَلَى المَلَائِكَةِ، أَوْ عِيسَى، أَوِ الصَّالِحِينَ.
فَلَا بُدَّ أَنْ يُقِرَّ لَكَ: أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ أَحَدًا مِنَ الصَّالِحِينَ؛ فَهُوَ الشِّرْكُ المَذْكُورُ فِي القُرْآنِ؛ وَهَذَا هُوَ المَطْلُوبُ.
[ ٥٢ ]
وَسِرُّ المَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنَا لَا أُشْرِكُ بِاللَّهِ.
فَقُلْ لَهُ: وَمَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ؟ فَسِّرْهُ لِي!
فَإِنْ قَالَ: هُوَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ!
فَقُلْ: وَمَا مَعْنَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ؟ فَسِّرْهَا لِي!
فَإِنْ قَالَ: أَنَا لَا أَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ.
فَقُلْ: مَا مَعْنَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ؟ فَسِّرْهَا لِي!
فَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا بَيَّنَهُ القُرْآنُ؛ فَهُوَ المَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ فَكَيْفَ يَدَّعِي شَيْئًا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ؟
[ ٥٣ ]
وَإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَعْنَاهُ:
بَيَّنْتَ لَهُ الآيَاتِ الوَاضِحَاتِ فِي مَعْنَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ؛ أَنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِعَيْنِهِ.
وَأَنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ هِيَ الَّتِي يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا، وَيَصِيحُونَ كَمَا صَاحَ إِخْوَانُهُمْ حَيْثُ قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ المُشْرِكُونَ فِي وَقْتِنَا: «الِاعْتِقَادَ»؛ هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ، وَقَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ عَلَيْهِ.
فَاعْلَمْ أَنَّ شِرْكَ الأَوَّلِينَ أَخَفُّ مِنْ شِرْكِ أَهْلِ زَمَانِنَا بِأَمْرَيْنِ:
[ ٥٤ ]
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الأَوَّلِينَ لَا يُشْرِكُونَ وَلَا يَدْعُونَ المَلَائِكَةَ وَالأَوْلِيَاءَ وَالأَوْثَانَ مَعَ اللَّهِ؛ إِلَّا فِي الرَّخَاءِ، وَأَمَّا فِي الشِّدَّةِ فَيُخْلِصُونَ لِلَّهِ الدِّينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾.
وَقَالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾.
وَقَالَ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ
[ ٥٥ ]
بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾.
وَقَالَ: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
فَمَنْ فَهِمَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ الَّتِي وَضَّحَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ - وَهِيَ:
أَنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَدْعُونَ غَيْرَهُ فِي الرَّخَاءِ.
وَأَمَّا فِي الشِّدَّةِ فَلَا يَدْعُونَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَنْسَوْنَ سَادَاتِهِمْ -.
تَبَيَّنَ لَهُ الفَرْقُ بَيْنَ شِرْكِ أَهْلِ زَمَانِنَا وَشِرْكِ الأَوَّلِينَ.
وَلَكِنْ أَيْنَ مَنْ يَفْهَمُ قَلْبُهُ هَذِهِ المَسْأَلَةَ فَهْمًا رَاسِخًا؟! وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ.
[ ٥٦ ]
وَالأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الأَوَّلِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ أُنَاسًا مُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ؛ إِمَّا مَلَائِكَةً، وَإِمَّا أَنْبِيَاءَ، وَإِمَّا أَوْلِيَاءَ، أَوْ يَدْعُونَ أَشْجَارًا وَأَحْجَارًا مُطِيعَةً لِلَّهِ لَيْسَتْ عَاصِيَةً.
وَأَهْلُ زَمَانِنَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ أُنَاسًا مِنْ أَفْسَقِ النَّاسِ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَهُمْ: هُمُ الَّذِينَ يَحْكُونَ عَنْهُمُ الفُجُورَ؛ مِنَ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالَّذِي يَعْتَقِدُ فِي الصَّالِحِ وَالَّذِي لَا يَعْصِي - مِثْلِ الخَشَبِ، وَالحَجَرِ -؛ أَهْوَنُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ فِيمَنْ يُشَاهِدُ فِسْقَهُ وَفَسَادَهُ وَيَشْهَدُ بِهِ.
***
[ ٥٧ ]