وَلَهُمْ شُبْهَةٌ أُخْرَى؛ وَهِيَ: مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ يَسْتَغِيثُونَ بِآدَمَ، ثُمَّ بِنُوحٍ، ثُمَّ بِإِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِعِيسَى، فَكُلُّهُمْ يَعْتَذِرُونَ، حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَيْسَتْ شِرْكًا.
فَالجَوَابُ أَنْ تَقُولَ: سُبْحَانَ مَنْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِ أَعْدَائِهِ!
فَإِنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالمَخْلُوقِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ
[ ٨١ ]
لَا نُنْكِرُهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى - فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ -: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾.
وَكَمَا يَسْتَغِيثُ الإِنْسَانُ بِأَصْحَابِهِ فِي الحَرْبِ وَغَيْرِهِ فِي أَشْيَاءَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا المَخْلُوقُ.
وَنَحْنُ أَنْكَرْنَا اسْتِغَاثَةَ العِبَادَةِ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا عِنْدَ قُبُورِ الأَوْلِيَاءِ، أَوْ فِي غَيْبَتِهِمْ فِي الأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ.
إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ: فَالِاسْتِغَاثَةُ بِالأَنْبِيَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ يُرِيدُونَ مِنْهُمْ أَنْ يَدْعُوا اللَّهَ أَنْ يُحَاسِبَ النَّاسَ؛ حَتَّى يَسْتَرِيحَ أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ كَرْبِ المَوْقِفِ.
[ ٨٢ ]
وَهَذَا جَائِزٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ أَنْ تَأْتِيَ عِنْدَ رَجُلٍ صَالِحٍ حَيٍّ يُجَالِسُكَ وَيَسْمَعُ كَلَامَكَ، تَقُولُ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ لِي، كَمَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ فِي حَيَاتِهِ.
وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ: فَحَاشَا وَكَلَّا أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ ذَلِكَ عِنْدَ قَبْرِهِ! بَلْ أَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَنْ قَصَدَ دُعَاءَ اللَّهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، فَكَيْفِ بِدُعَائِهِ نَفْسِهِ؟
***
[ ٨٣ ]