وَأَنَا أَذْكُرُ لَكَ أَشْيَاءَ - مِمَّا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ - جَوَابًا لِكَلَامٍ احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا عَلَيْنَا؛ فَنَقُولُ:
جَوَابُ أَهْلِ البَاطِلِ مِنْ طَرِيقَيْنِ: مُجْمَلٍ، وَمُفَصَّلٍ.
أَمَّا المُجْمَلُ: فَهُوَ الأَمْرُ العَظِيمُ، وَالفَائِدَةُ الكَبِيرَةُ لِمَنْ عَقَلَهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾.
[ ٢٩ ]
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ».
مِثَالُ ذَلِكَ:
إِذَا قَالَ لَكَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
أَوْ: إِنَّ الشَّفَاعَةَ حَقٌّ.
أَوْ: إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَهُمْ جَاهٌ عِنْدَ اللَّهِ.
أَوْ: ذَكَرَ كَلَامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بَاطِلِهِ، وَأَنْتَ لَا تَفْهَمُ مَعْنَى الكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ.
[ ٣٠ ]
فَجَاوِبْهُ بِقَوْلِكَ: إِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ وَيَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ.
وَمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ المُشْرِكِينَ يُقِرُّونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّهُ كَفَّرَهُمْ بِتَعَلُّقِهِمْ عَلَى المَلَائِكَةِ، وَالأَنْبِيَاءِ، وَالأَوْلِيَاءِ - مَعَ قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ -؛ هَذَا أَمْرٌ مُحْكَمٌ بَيِّنٌ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَ مَعْنَاهُ.
وَمَا ذَكَرْتَ لِي - أَيُّهَا المُشْرِكُ! - مِنَ القُرْآنِ، أَوْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لَا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ، وَلَكِنْ أَقْطَعُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يَتَنَاقَضُ، وَأَنَّ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُخَالِفُ كَلَامَ اللَّهِ.
[ ٣١ ]
وَهَذَا جَوَابٌ جَيِّدٌ سَدِيدٌ، وَلَكِنْ لَا يَفْهَمُهُ إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا تَسْتَهِنْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
***
[ ٣٢ ]