بسم الله الرحمن الرحيم
المُقدِّمة
الحمد للَّه ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعد:
فإنَّ الله أنزل كتابَه نورًا وهدىً للعالمين، وجاءت السُّنَّة النَّبويَّة مُفسِّرَةً ومبيِّنةً له، ودالَّةً عليه، ومُعبِّرةً عنه، فحفظ الصَّحابةُ ﵃ السُّنَّة، وبذلوا في ذلك أوقاتَهم، وتلقَّى عنهم التَّابعون وساروا بِسَيْرهم.
ثم مِنْ بعدِهم صَنَّفَ العلماءُ في مصطلَح الحديث؛ في أنواعٍ منه سَطَرُوها ضِمنَ كتبهم، وأفردوا بعضها في كتبٍ متفرِّقَة، ثم جمعوا ما تفرَّق في بطون الكتبِ ورتَّبوها وزادوا عليها؛ فكان القاضي الحسنُ بنُ عبد الرَّحمن الرَّامَهُرْمُزِيُّ ﵀ (ت ٣٦٠ هـ) أوَّلَ مَنْ أفردَ علمَ أصولِ الحديث بالتَّصنيف، في كتاب سمَّاه: «المُحَدِّث الفاصل بين الرَّاوي والواعي».
ثم تلاه الحافظُ أبو عبد اللَّه الحاكم النَّيسابوريُّ (ت ٤٠٥ هـ)، فصنَّف كتابًا خفيفًا يشتملُ على أنواعِ علم الحديث بمحاسن فيه لم يُسبَق إليها، سالكًا في ذلك الاختصار، دون الإطناب والإكثار، وسماه: «معرفة علوم الحديث وكمِّيَّة أجناسِه».
[ ٥ ]
ثم نقَّح الحافظُ أبو عمرٍو عثمانُ الشَّهرزُورِيُّ المشهورُ بابن الصَّلاح ﵀ (ت ٦٤٣ هـ) كتابَ الحاكم، وهذَّبه واستدرَك ما فاته، واعتنى بتصانيف الخطيب البغداديِّ ﵀ (ت ٤٦٣ هـ)، فجمع شتاتَ مقاصدِها، وضَمَّ إليها من غيرِها نُخَبَ فوائدِها، في مُصَنَّف سمَّاه: «معرفة أنواع علوم الحديث»، فاجتمعَ في كتابه ما تَفَرَّقَ في غيرِه؛ فعَكَفَ النَّاسُ عليهِ وساروا بسيرِه، وحاموا في حِماه، ما بين شارحٍ له ومُختَصِر، ومُستدرِك عليه ومُقتَصِر.
ثم نَظَمَ الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرَّحيم بن الحسين العراقيُّ ﵀ (ت ٨٠٦ هـ) ما حواه كتابُ الحافظِ ابن الصَّلاح مع إيضاحاتٍ له، وزياداتٍ واستدراكاتٍ، في أرجوزةٍ حوت ألفَ بيت وبيتين (١٠٠٢)، سمَّاها: «التَّبصِرةَ والتَّذكِرَةَ فِي علوم الحديث»، فتسابَق أهلُ العلم إليها ما بين حافظ لها وشارح، وقد نَشَرْتُها مُحَقَّقَةً على نسخٍ خَطِّيَّةٍ نفيسة.
ثم انبرى الحافظُ السُّيوطيُّ ﵀ (ت ٩١١ هـ) فجمع علومَ مَنْ سبقه وزاد عليهم، في أرجوزةٍ نَظَمَها في خمسة أيام حوت (٩٩٥) بيتًا، سمَّاها: «نَظْمَ الدُّرَرِ فِي عِلْمِ الأَثَرِ»، قال ناظمُها واصفًا لها: «احتوت على جميعِ علومِ ابنِ الصَّلاحِ وزوائدِ ألفيَّة العراقي، وزادَت بِضِعْفِ ذلك»، بألفاظ جَزْلَةٍ مُتَّسِقَةٍ سَهلَةٍ موجزة، قال عنها ناظمُها معدِّدًا
[ ٦ ]
محاسنَها: «معَ ما حوتْهُ مِنْ سَلَاسَةِ النَّظْمِ، وخَلَصَت من الحَشْوِ والتَّعْقِيدِ».
وأثنَى عليهَا ناظمُها بقوله: «بَلَغَت بذلك مَحَلًّا لا تُسَام فيه ولا تُسامَى، وفاقَت مُزَوَّرات هذا الفن جَمْعًا ومنظوماتِه نظامًا»، وقال عنها صاحب الرِّسالة المستطرفة: «حاذَى بها ألفيَّةَ العراقي، وزادَ عليها نكتًا غزيرةً وفوائدَ جمَّةً».
وقد اعتنَى بها العلماءُ حفظًا وشرحًا، وصارت مِنَ المتون المعتمَدةِ في علم المصطلَح؛ ولأجلِ ذلك حَقَّقْتُهَا ضمن المتون الإضافيَّة من سلسلة (مُتُونِ طَالِبِ العِلْمِ)، على جملةٍ من نُسَخِهَا الخَطِّيَّة النَّفيسة، لتظهَر كما وضعها ناظمُها، وميَّزتُ زياداتِه على ألفيَّة العراقي بلون أحمر، فمن جَمَعَ بين نسختِنا هذه ونسختِنا من ألفية العراقي؛ فقد تميَّز لديه مسائل مقدمة ابن الصِّلاح، وزيادات العراقيِّ عليه، وزيادات السُّيوطيِّ على العراقيِّ؛ فلا يفوته - بإذن اللَّه - شيء من مسائل هذا الفنِّ.
وقد حذفتُ من هذه النُّسخَةِ حواشيَ التَّحقيق المتضمِّنة لفروقِ النُّسَخِ، والتَّعلِيق عليها، وتخريج الأحاديث، وعزو الأقوال، وبيان ما يجب بيانه، وأثبتُّ جميعَ ذلك في نسخة أخرى.
[ ٧ ]
أسأل اللَّه أن ينفع بها، ويجعل عملنا فيها خالصًا لوجهه الكريم.
وصلَّى اللَّه وسلَّم على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. عبد المحسن بن محمد القاسم
إمام وخطيب المسجد النبوي
فرغت منه في السادس والعشرين من شهر صفر من عام ألف وأربع مئة واثنين وأربعين من الهجرة
[ ٨ ]