بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ﵀:
هَذَا ذِكْرُ بَيَانِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ
عَلَى مَذْهَبِ فُقَهَاءِ المِلَّةِ:
- أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ الكُوفِيِّ.
وَأَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الأَنْصَارِيِّ.
وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ـ.
وَمَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَيَدِينُونَ بِهِ لِرَبِّ العَالَمِينَ.
[ ١٣٥ ]
نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ، مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ:
إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ مِثْلُهُ، وَلَا شَيْءَ يُعْجِزُهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ.
قَدِيمٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ (^١)، دَائِمٌ بِلَا انْتِهَاءٍ (^٢).
لَا يَفْنَى وَلَا يَبِيدُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ.
لَا تَبْلُغُهُ الأَوْهَامُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الأَفْهَامُ، وَلَا يُشْبِهُ الأَنَامَ.
خَالِقٌ بِلَا حَاجَةٍ، رَازِقٌ بِلَا مُؤْنَةٍ، مُمِيتٌ بِلَا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلَا مَشَقَّةٍ.
_________________
(١) «قَدِيمٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ» هَذَا اللَّفْظُ لَمْ يَرِدْ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسْنَى، وَيُغْنِي عَنْهُ اسْمُهُ سُبْحَانَهُ: «الأَوَّلُ»، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾.
(٢) «الدَّائِمُ» لَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَيُغْنِي عَنْهُ اسْمُهُ سُبْحَانَهُ: «الآخِرُ».
[ ١٣٦ ]
مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ، لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَاتِهِ.
وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا، كَذَلِكَ لَا يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِيًّا.
لَيْسَ مُنْذُ خَلَقَ الخَلْقَ اسْتَفَادَ اسْمَ الخَالِقِ، وَلَا بِإِحْدَاثِهِ البَرِيَّةَ اسْتَفَادَ اسْمَ البَارِي. لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ، وَمَعْنَى الخَالِقِ وَلَا مَخْلُوقَ.
وَكَمَا أَنَّهُ مُحْيِي المَوْتَى بَعْدَمَا أَحْيَا، اسْتَحَقَّ هَذَا الِاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ، كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الخَالِقِ قَبْلَ إِنْشَائِهِمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
[ ١٣٧ ]
خَلَقَ الخَلْقَ بِعِلْمِهِ، وَقَدَّرَ لَهُمْ أَقْدَارًا، وَضَرَبَ لَهُمْ آجَالًا، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِهِم قَبْلَ أَنْ خَلَقَهُمْ، وَعَلِمَ مَا هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَمَشِيئَتُهُ تَنْفُذُ، لَا مَشِيئَةَ لِلْعِبَادِ إِلَّا مَا شَاءَ لَهُمْ، فَمَا شَاءَ لَهُمْ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيَعْصِمُ وَيُعَافِي فَضْلًا، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَخْذُلُ وَيَبْتَلِي عَدْلًا.
وَكُلُّهُمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي مَشِيئَتِهِ بَيْنَ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ، لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا غَالِبَ لِأَمْرِهِ، آمَنَّا بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَيْقَنَّا أَنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِهِ.
[ ١٣٨ ]
وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدُهُ المُصْطَفَى، وَنَبِيُّهُ المُجْتَبَى، وَرَسُولُهُ المُرْتَضَى.
وَإِنَّهُ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِمَامُ الأَتْقِيَاءِ، وَكُلُّ دَعْوَةِ نُبُوَّةٍ بَعْدَ نُبُوَّتِهِ فَغَيٌّ وَهَوىً، وَهُوَ المَبْعُوثُ إِلَى عَامَّةِ الجِنِّ وَكَافَّةِ الوَرَى بِالحَقِّ وَالهُدَى.
[ ١٣٩ ]
وَإِنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْهُ بَدَأَ بِلَا كَيْفِيَّةٍ قَوْلًا، وَأَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَحْيًا، وَصَدَّقَهُ المُؤْمِنُونَ عَلَى ذَلِكَ حَقًّا.
وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى بِالحَقِيقَةِ، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كَكَلَامِ البَرِيَّةِ، فَمَنْ سَمِعَهُ وَزَعَمَ أَنَّهُ كَلَامُ البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، وَقَدْ ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَابَهُ، وَأَوْعَدَهُ عَذَابَهُ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، فَلَمَّا أَوْعَدَ اللَّهُ سَقَرَ لِمَنْ قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾؛ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَوْلُ خَالِقِ البَشَرِ، وَلَا يُشْبِهُ قَوْلَ البَشَرِ.
وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِمَعْنىً مِنْ مَعَانِي البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، فَمَنْ أَبْصَرَ هَذَا اعْتَبَرَ، وَعَنْ مِثْلِ قَوْلِ الكُفَّارِ انْزَجَرَ، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِصِفَاتِهِ لَيْسَ كَالبَشَرِ.
[ ١٤٠ ]
وَالرُّؤْيَةُ حَقٌّ لِأَهْلِ الجَنَّةِ بِغَيْرِ إِحَاطَةٍ وَلَا كَيْفِيَّةٍ، كَمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ رَبِّنَا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وَتَفْسِيرُهُ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلِمَهُ.
وَكُلُّ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا أَرَادَ، لَا نَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ بِآرَائِنَا، وَلَا مُتَوَهِّمِينَ بِأَهْوَائِنَا، فَإِنَّهُ مَا يَسْلَمُ فِي دِينِهِ إِلَّا مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ ﷿ وَلِرَسُولِهِ ﷺ، وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ.
[ ١٤١ ]
وَلَا يَثْبُتُ قَدَمُ الإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ وَالاِسْتِسْلَامِ، فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَقْنَعْ بِالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ؛ حَجَبَهُ مَرَامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ، وَصَافِي المَعْرِفَةِ، وَصَحِيحِ الإِيمَانِ، فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الكُفْرِ وَالإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَالإِقْرَارِ وَالإِنْكَارِ، مُوَسْوِسًا تَائِهًا، شَاكًّا زَائِغًا، لَا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا، وَلَا جَاحِدًا مُكَذِّبًا.
وَلَا يَصِحُّ الإِيمَانُ بِالرُّؤْيةِ لِأَهْلِ دَارِ السَّلَامِ لِمَنِ اعْتَبَرَهَا مِنْهُمْ بِوَهْمٍ، أَوْ تَأَوَّلَهَا بِفَهْمٍ؛ إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنىً يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ: تَرْكَ التَّأْوِيلِ وَلُزُومَ التَّسْلِيمِ، وَعَلَيْهِ دِينُ المُرْسَلِينَ.
[ ١٤٢ ]
وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشْبِيهَ زَلَّ، وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ، فَإِنَّ رَبَّنَا جَلَّ وَعَلَا مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الفَرْدَانِيَّةِ، لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَحَدٌ مِنَ البَرِيَّةِ.
تَعَالَى عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ، وَالأَرْكَانِ وَالأَعْضَاءِ وَالأَدَوَاتِ، لَا تَحْوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ المُبْتَدَعَاتِ (^١).
_________________
(١) هَذَا مِنَ الأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِهَا الشَّرْعُ، وَلَعَلَّ المُؤَلِّفَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: «الحُدُودِ» أَيِ: الَّتِي يَعْلَمُهَا البَشَرُ. «وَالغَايَاتِ»: تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ المَخْلُوقَاتِ فِي حِكْمَتِهِ. «وَالأَرْكَانِ وَالأَعضَاءِ وَالأَدَوَاتِ»: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ المَخْلُوقَاتِ فِي صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ. وَ«لَا تَحْوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ»: أَيِ: السِّتُّ المَخْلُوقَةُ، وَلَيْسَ المُرَادُ: نَفْيَ عُلُوِّ اللَّهِ وَاسْتِوَاءِهِ.
[ ١٤٣ ]
وَالمِعْرَاجُ حَقٌّ، وَقَدْ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ فِي اليَقَظَةِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ مِنَ العُلَا، وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا شَاءَ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ مَا أَوْحَى.
وَالحَوْضُ الَّذِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ غِيَاثًا لِأُمَّتِهِ حَقٌّ.
وَالشَّفَاعَةُ الَّتي ادَّخَرَهَا لَهُمْ حَقٌّ، كَمَا رُوِيَ فِي الأَخْبَارِ.
وَالمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ ﵇ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ.
[ ١٤٤ ]
وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ فِيمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وَعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ العَدَدِ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالَهُمْ فِيمَا عَلِمَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ.
وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَالأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ.
[ ١٤٥ ]
وَأَصْلُ القَدَرِ: سِرُّ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ.
فَالحَذَرَ كُلَّ الحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ القَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾، فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الكِتَابِ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الكِتَابِ كَانَ مِنَ الكَافِرِينَ.
[ ١٤٦ ]
فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ مُنَوَّرٌ قَلْبُهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ دَرَجَةُ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ؛ لِأَنَّ العِلْمَ عِلْمَانِ: عِلْمٌ فِي الخَلْقِ مَوْجُودٌ، وَعِلْمٌ فِي الخَلْقِ مَفْقُودٌ (^١)، فَإِنْكَارُ العِلْمِ المَوْجُودِ كُفْرٌ، وَادِّعَاءُ العِلْمِ المَفْقُودِ كُفْرٌ.
وَلَا يَصِحُّ الإِيمَانُ إِلَّا بِقَبُولِ العِلْمِ المَوْجُودِ، وَتَرْكِ طَلَبِ العِلْمِ المَفْقُودِ.
_________________
(١) مُرَادُهُ ﵀ بِـ «العِلْمِ المَفْقُودِ»: عِلْمُ الغَيْبِ.
[ ١٤٧ ]
وَنُؤْمِنُ بِاللَّوْحِ وَالقَلَمِ، وَجَمِيعُ مَا فِيهِ قَدْ رُقِمَ، فَلَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ أَنَّهُ كَائِنٌ لِيَجْعَلُوهُ غَيْرَ كَائِنٍ: لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وَلَوِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ كَائِنٍ لِيَجْعَلُوهُ كَائِنًا: لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَا أَخْطَأَ العَبْدَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ.
[ ١٤٨ ]
وَعَلَى العَبْدِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَبَقَ عِلْمُهُ فِي كُلِّ كَائِنٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَقَدَّرَ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ تَقْدِيرًا مُحْكَمًا مُبْرَمًا، لَيْسَ فيه نَاقِضٌ وَلَا مُعَقِّبٌ، وَلَا مُزِيلٌ وَلَا مُغَيِّرٌ وَلَا مُحَوِّلٌ، وَلَا زَائِدٌ وَلَا نَاقِصٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي سَمَوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وَذَلِكَ مِنْ عَقْدِ الإِيمَانِ وَأُصُولِ المَعْرِفَةِ، وَالِاعْتِرَافِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾.
فَوَيْلٌ لِمَنْ صَارَ لِلَّهِ فِي القَدَرِ خَصِيمًا، وَأَحْضَرَ لِلنَّظَرِ فِيهِ قَلْبًا سَقِيمًا، لَقَدِ التَمَسَ بِوَهْمِهِ فِي فَحْصِ الغَيْبِ سِرًّا كَتِيمًا، وَعَادَ بِمَا قَالَ أَفَّاكًا أَثِيمًا.
[ ١٤٩ ]
وَالعَرْشُ وَالكُرْسِيُّ حَقٌّ، كَمَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ ﷻ مُسْتَغْنٍ عَنِ العَرْشِ وَمَا دُونَهُ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ، وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الإِحَاطَةِ خَلْقَهُ.
وَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَكَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا؛ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا.
وَنُؤْمِنُ بِالمَلَائِكَةِ، وَالنَّبِيِّينَ، وَالكُتُبِ المُنْزَلَةِ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الحَقِّ المُبِينِ.
وَنُسَمِّي أَهْلَ قِبْلَتِنَا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ، مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ.
[ ١٥٠ ]
وَلَا نَخُوضُ فِي اللَّهِ.
وَلَا نُمَارِي فِي الدِّينِ.
وَلَا نُجَادِلُ فِي القُرْآنِ، وَنَعْلَمُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ العَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، فَعَلَّمَهُ سَيِّدَ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدًا ﷺ.
وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ المَخْلُوقِينَ، وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ.
[ ١٥١ ]
وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ.
وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بِذَنْبٍ (^١) مَا لَمْ يَسْتَحِلُّهُ.
وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.
وَنَرْجُو لِلمُحْسِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالجَنَّةِ.
وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ.
وَالأَمْنُ وَالإِيَاسُ يَنْقُلَانِ عَنِ المِلَّةِ، وَسَبِيلُ الحَقِّ بَيْنَهُمَا لِأَهْلِ القِبْلَةِ.
_________________
(١) مِنَ الكَبَائِرِ فَمَا دُونَهَا.
[ ١٥٢ ]
وَلَا نُخْرِجُ العَبْدَ مِنَ الإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ (^١).
وَالإِيمَانُ: هُوَ الإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالجَنَانِ (^٢).
وَإِنَّ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي القُرْآنِ، وَجَمِيعَ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الشَّرْعِ وَالبَيَانِ، كُلُّهُ حَقٌّ.
وَالإِيمَانُ وَاحِدٌ، وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ
_________________
(١) هَذَا الحَصْرُ فِيهِ نَظَرٌ، فَالعَبْدُ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلَامِ بِجُحُودِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَيَخْرُجُ أَيْضًا مِنَ الإِسْلَامِ بِغَيْرِ جُحُودِ الشَّهَادَتَيْنِ - كَالِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ -.
(٢) الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ، وَعَمَلٌ، وَاعْتِقَادٌ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِية، وَإِخْرَاجُ العَمَلِ مِنَ الإِيمَانِ قَوْلُ المُرْجِئَةِ.
[ ١٥٣ ]
سَوَاءٌ (^١)، وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالتَّقْوَى، وَمُخَالَفَةِ الهَوَى.
وَالمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ، وَأَكْرَمُهُمْ: أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ.
وَإِنَّ الإِيمَانَ هُوَ: الإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ، مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَنُصَدِّقُهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى مَا جَاؤُوا بِهِ.
_________________
(١) لَيْسَ أَهْلُهُ فِيهِ سَوَاءٌ، بَلْ هُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِيهِ تَفَاوُتًا عَظِيمًا، فَلَيْسَ إِيمَانُ الرُّسُلِ كَإِيمَانِ غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ إِيمَانُ المُؤْمِنِينَ كَإِيمَانِ الفَاسِقِينَ.
[ ١٥٤ ]
وَأَهْلُ الكَبَائِرِ؛ فِي النَّارِ لَا يُخَلَّدُونَ إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ، بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ ﷿ عَارِفِينَ.
وَهُمْ فِي مَشِيئَتِهِ وَحُكْمِهِ:
إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ بِفَضْلِهِ، كَمَا ذَكَرَ ﷿ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾.
وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ فِي النَّارِ بِعَدْلِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْلَى أَهْلِ مَعْرِفَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ، الَّذِينَ خَابُوا مِنْ هِدَايَتِهِ، وَلَمْ يَنَالُوا مِنْ وَلَايَتِهِ.
اللَّهُمَّ - يَا وَلِيَّ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ - مَسِّكْنَا بِالإِسْلَامِ حَتَّى نَلْقَاكَ بِهِ.
[ ١٥٥ ]
وَنَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ، وَعَلَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ.
وَلَا نُنْزِلُ أَحَدًا مِنْهُمْ جَنَّةً وَلَا نَارًا.
وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ وَلَا بِنِفَاقٍ، مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَنَذَرُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَا نَرَى السَّيْفَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ.
[ ١٥٦ ]
وَلَا نَرَى الخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُوا عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ.
وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ ﷿ فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُونَا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُوا لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالمُعَافَاةِ.
وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالجَمَاعَةَ، وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالخِلَافَ وَالفُرْقَةَ.
وَنُحِبُّ أَهْلَ العَدْلِ وَالأَمَانَةِ، وَنُبْغِضُ أَهْلَ الجَوْرِ وَالخِيَانَةِ.
وَنَقُولُ: اللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ.
وَنَرَى المَسْحَ عَلَى الخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، كَمَا جَاءَ فِي الأَثَرِ.
[ ١٥٧ ]
وَالحَجُّ وَالجِهَادُ فَرْضَانِ مَاضِيَانِ مَعَ أُولِي الأَمْرِ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ - بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ - إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، لَا يُبْطِلُهُمَا شَيْءٌ وَلَا يَنْقُضُهُمَا.
[ ١٥٨ ]
وَنُؤْمِنُ بِالكِرَامِ الكَاتِبِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَهُمْ عَلَيْنَا حَافِظِينَ.
وَنُؤْمِنُ بِمَلَكِ المَوْتِ، المُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ العَالَمِينَ.
وَبِعَذَابِ القَبْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلًا، وَسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ لِلْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ ﵃ أَجْمَعِينَ ـ.
وَالقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ.
وَنُؤْمِنُ بِالبَعْثِ وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَالعَرْضِ وَالحِسَابِ، وَقِرَاءَةِ الكِتَابِ، وَالثَّوَابِ وَالعِقَابِ، وَالصِّرَاطِ وَالمِيزَانِ.
[ ١٥٩ ]
وَالجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ، لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ.
وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الخَلْقِ، وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلًا، فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ لِلْجَنَّةِ فَضْلًا مِنْهُ، وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ لِلنَّارِ عَدْلًا مِنْهُ.
وَكُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، وَصَائِرٌ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ، وَالخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى العِبَادِ.
[ ١٦٠ ]
وَالِاسْتِطَاعَةُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: الِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الفِعْلُ - مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ المَخْلُوقُ بِهِ ـ: فَهِيَ مَعَ الفِعْلِ.
وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ التي مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالوُسْعِ، وَالتَّمَكُّنِ وَسَلَامَةِ الآلَاتِ: فَهِيَ قَبْلَ الفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الخِطَابُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وَأَفْعَالُ العِبَادِ: خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ العِبَادِ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ إِلَّا مَا يُطِيقُونَ، وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ (^١)، وَهُوَ تَفْسِيرُ:
_________________
(١) المُكَلَّفُونَ يُطِيقُونَ أَكْثَرَ مِمَّا كَلَّفَهُمْ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَلَكِنَّهُ ﷿ لَطَفَ بِعِبَادِهِ وَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ حَرَجًا، فَضْلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا.
[ ١٦١ ]
«لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، نَقُولُ: لَا حِيلَةَ لِأَحَدٍ، وَلَا حَرَكَةَ لِأَحَدٍ، وَلَا تَحَوُّلَ لِأَحَدٍ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ؛ إِلَّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ.
وَلَا قُوَّةَ لِأَحَدٍ عَلَى إِقَامَةِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهَا؛ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.
وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَغَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ المَشِيئَاتِ كُلَّهَا، وَغَلَبَ قَضَاؤُهُ الحِيَلَ كُلَّهَا، يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أَبَدًا ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾.
[ ١٦٢ ]
وَفِي دُعَاءِ الأَحْيَاءِ وَصَدَقَاتِهِمْ: مَنْفَعَةٌ لِلْأَمْوَاتِ.
وَاللَّهُ يَسْتَجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَيَقْضِي الحَاجَاتِ، وَيَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا يَمْلِكُهُ شَيْءٌ.
وَلَا غِنَى عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَقَدْ كَفَرَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الحَيْنِ.
وَاللَّهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى، لَا كَأَحَدٍ مِنَ الوَرَى.
[ ١٦٣ ]
وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا نُفْرِطُ فِي حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُمْ، وَبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُمْ، وَلَا نَذْكُرُهُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ.
وَحُبُّهُمْ: دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ.
وَبُغْضُهُمْ: كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَطُغْيَانٌ.
وَنُثْبِتُ الخِلَافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَوَّلًا لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ تَفْضِيلًا لَهُ، وَتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الأُمَّةِ ـ، ثُمَّ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، ثُمَّ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، ثُمَّ لِعَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَهُمُ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالأَئِمَّةُ المَهْدِيُّونَ ـ.
[ ١٦٤ ]
وَإِنَّ العَشَرَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَشْهَدُ لَهُمْ بِالجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُهُ الحَقُّ ـ.
وَهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَسَعِيدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ - وَهُوَ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَمَنْ أَحْسَنَ القَوْلَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّاتِهِ؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ.
[ ١٦٥ ]
وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ والتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الخَبَرِ وَالأَثَرِ، وَأَهْلِ الفِقْهِ وَالنَّظَرِ، لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِالجَمِيلِ، وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ.
وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الأَوْلِيَاءِ عَلَى أحَدِ الأَنْبِيَاءِ، وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ.
وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ.
[ ١٦٦ ]
وَنُؤْمِنُ بِخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ _ج مِنَ السَّمَاءِ.
وَنُؤْمِنُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ دَابَّةِ الأَرْضِ مِنْ مَوْضِعِهَا.
وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا، وَلَا عَرَّافًا، وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا بِخِلَافِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ.
وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا، وَالفُرْقَةَ زَيْغًا وَعَذَابًا.
[ ١٦٧ ]
وَدِينُ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرضِ وَاحِدٌ، وَهُوَ دِينُ الإِسْلَام، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
وَهُوَ بَيْنَ الغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ، وَبَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ.
وَبَيْنَ الجَبْرِ وَالقَدَرِ، وَبَيْنَ الأَمْنِ وَاليَأْسِ.
[ ١٦٨ ]
فَهَذَا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَحْنُ بُرَأَئُ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ.
وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الأَهْوَاءِ المُخْتَلِفَةِ، وَالآرَاءِ المُتَفَرِّقَةِ، وَالمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ - مِثْلِ: المُشَبِّهَةِ، وَالجَهْمِيَّةِ، وَالجَبْرِيَّةِ وَالقَدَرِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ - مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا الجَمَاعَةَ، وَحَالَفُوا الضَّلَالَةَ.
وَنَحْنُ مِنْهُمْ بُرَأَئُ، وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلَّالٌ أَرْدِيَاءُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ المَرْجِعُ وَالمَآبُ.
* * *
تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ
[ ١٦٩ ]