هناك أمور كثيرة ينبغي لمن تقلد منصب الإفتاء أن يتفطن لها، وأن يأخذ نفسه بها؛ إذ هي لا تقل أهمية عما ذكرناه من الأمور التي تشترط له كي يتقلد هذا المنصب العظيم. ومن العسير جدا أن نلم بها في بحث كهذا - في قصره -، ولكن حسبنا من ذلك معظمها مما نرى أنه يحتل المكانة الكبرى بالنسبة لغيره.
[ ١ / ١٦٥ ]
ومن هنا يمكننا أن نلخصها فيما يأتي:
١ - جمال المظهر وحسن الزي على الطريقة التي تتناسب مع الوضع الشرعي:
وإنما كان هذا الأمر مطلوبا؛ لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ولأن الخلق مجبولون على تعظيم الصور الظاهرة، والمفتي مطلوب منه أن يعمل ما يجعله عظيما في قلوب العامة حتى يقتدوا به، ويستنيروا بأقواله، ولهذا كان اتصافه بهذا الأمر قربة لله ينال بها الثواب حيث قصد بذلك التوسل إلى تنفيذ الحق وهداية الخلق (١) ولهذا قال عمر (﵁): " أحب إلى أن أنظر القارئ أبيض الثياب. أي ليعظم في نفوس الناس، فيعظم في نفوسهم ما لديه من الحق " (٢).
ويدخل في هذا الأمر اتصافه بالسكينة والوقار، وظهوره بمظهر الاحتشام والأدب؛ فإن ذلك مما يؤدي إلى أن يرغب المستمع في قبول ما يقول " (٣)، ومما يكون سببا فيما يقصده من وصول القول الحق إلى العامة وعملهم به.
٢ - البداءة بالنفس في كل خير يفتي به: فذلك أمر مطلوب من المفتي؛ إذ هو علامة صدقه في فتواه، وهو السبيل لوضع البركة في قوله، وتيسير قبوله في نفوس مستمعيه، ولذا نجد القرآن يعتبر في الصدق مطابقة القول والفعل، وفي الكذب مخالفته له، وذلك كقول الله (تعالى):
﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٤) ويقول (تعالى): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٥) ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٦) ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٧) وقد سلك الرسول (ﷺ) هذا المسلك، فجاءت أقواله مطابقة لأفعاله، وسيرته ممتلئة بالشواهد لذلك.
ومنها ما أخرجه " مسلم " من أن «عمر بن أبي سلمة " سأل النبي (ﷺ) عن تقبيل الصائم.
فقال له: " سل هذه (لأم سلمة) فأخبرته أن رسول الله (ﷺ) يفعل ذلك، فقال: يا رسول الله: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
_________________
(١) القرافي، الأحكام، ص٢٧١
(٢) المصدر نفسه، والصفحة نفسها
(٣) الآمدي، الأحكام في أصول الأحكام، ٤/ ٢٢٢
(٤) سورة الأحزاب الآية ٢٣
(٥) سورة التوبة الآية ٧٥
(٦) سورة التوبة الآية ٧٦
(٧) سورة التوبة الآية ٧٧
[ ١ / ١٦٦ ]
فقال له: والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له (١)» (٢)، وروى مسلم، أيضا أنه (ﷺ) لما نهى عن الربا في خطبة حجة الوداع، قال: «وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب (٣)»، وروى الخمسة (٤)، أنه (ﷺ) قال «حين شفع عنده في حد السرقة: " وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها (٥)»، فهذا منه (ﷺ) ظاهر في المحافظة على مطابقة القول للفعل بالنسبة إليه وإلى قرابته، وهكذا ينبغي لمن تصدى لأحكام الله من الناس.
كما جاء الشرع ذاما للفاعل بخلاف ما يقول، فقال الله (تعالى): ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٦) وقال أيضا -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٧) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا﴾ (٨).
ومما ينبغي التنبيه إليه، أن هذا الأمر يعتبر وجوده أكمل في انتفاع المستفتي، وقبوله لما يقوله المفتي وليس معناه أنه لا بد من وجوده من أجل صحة الفتوى من الناحية الشرعية، اللهم إلا إذا سقطت درجة المفتي إلى مرحلة الفسق، فإنه حينئذ لا تقبل فتواه؛ لاختلال شرط العدالة فيه، ولهذا يقول الشاطبي (المتوفى سنة ٧٩٠ هـ) في ذلك (٩): " والمراد بما سقنا من عدم مخالفة المفتي لما يفتي به، أن هذا أكمل في الانتفاع ولا يعني هذا عدم صحة الفتوى من الناحية الشرعية، ما لم ينحط المفتي إلى رتبة الفسق بالمخالفة ".
٣ - معرفة أحوال الناس والتفطن لتصرفاتهم، واليقظة التامة للطرق التي يسلكونها:
وذلك لينكشف للمفتي مكر بعض المستفتين وخداعهم، فلا يغتر بظواهر ما يدلون به فيفتيهم تبعا لها، كما ينبغي له أن يسلك الطريق المستقيم، فيفتي في القضية حيث ظهر له أنه جوابها، دون أن يسلك طريقا معوجا، يحتال به على إسقاط واجب، أو تحليل محرم؛ فإن ذلك مكر وخداع، وقد عاقب الله من فعل ذلك أشد العقاب، وأحل عليهم لعنته، وتوعدهم بالنار، فقد قال (تعالى):
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١٠) ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١١) وفي صحيح مسلم عن النبي (ﷺ) أنه قال: «ملعون من ضار مسلما أو مكر به (١٢)» وقال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وقال: «المكر والخديعة في النار».
_________________
(١) صحيح مسلم الصيام (١١٠٨).
(٢) أبو البركات ابن تيمية، منتقى الأخبار، باب "الرخصة في القبلة للصائم إلا لمن يخاف على نفسه ".
(٣) مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٧٣)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٣٤).
(٤) ابن الديبع، تيسير الوصول إلى جامع الأصول، باب "حد السرقة ".
(٥) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (٣٤٧٥)، صحيح مسلم الحدود (١٦٨٨)، سنن الترمذي الحدود (١٤٣٠)، سنن النسائي قطع السارق (٤٨٩٨)، سنن أبو داود الحدود (٤٣٧٣)، سنن ابن ماجه الحدود (٢٥٤٧)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ١٦٢)، سنن الدارمي الحدود (٢٣٠٢).
(٦) سورة البقرة الآية ٤٤
(٧) سورة الصف الآية ٢
(٨) سورة الصف الآية ٣
(٩) الموافقات، ٤/ ٢٥٦.
(١٠) سورة النمل الآية ٥٠
(١١) سورة النمل الآية ٥١
(١٢) سنن الترمذي البر والصلة (١٩٤١).
[ ١ / ١٦٧ ]
٤ - الكف عن النظر في الفتوى حينما يكون مع المستفتي فتوى قد كتبها من لا يصلح لذلك، وعدم الكتابة معه حينما يكون الأمر كذلك، ولو كان جواب المفتي له صحيحا؛ إذ أن في الكتابة معه والحالة هذه تقريرا لصنيعه، وتساهلا عظيما في شأن الفتوى؛ حيث يتصدى لها ناقص العلم أو الدين أو غيرهما مما يشترط في المفتي (١).
٥ - النظر في السؤال والسائل قبل الفتوى، وعقد المقارنة بين مستوى السؤال من الناحية العلمية ومستوى السائل، فإن كان السائل على مستوى السؤال، أجابه المفتي بما يراه الحق، وإن كان السؤال أعلى مستوى من مستوى السائل من الناحية العلمية؛ حيث يكون من العوام، أو يكون السؤال من المعضلات، أو من دقائق الأمور، أو متشابه الآيات، ونحو ذلك مما لا يخوض فيه إلا أكابر العلماء (٢)، فينبغي للمفتي أن ينظر في حال المستفتي: هل هذا السؤال منه نتيجة شبهة عرضت له، يريد إزالتها، أو أن ذلك نتيجة ترف فكري وفراغ وقتي جعلاه يتأمل في أشياء ليس هو من أهلها؟ فإن كان الأول وجب على المفتي أن يقبل على مستفتيه ويتلطف معه، ويحاول بقدر ما أمكنه أن يزيل ما اشتبه عليه، وإن كان الثاني، فينبغي له أن يمتنع عن إجابته، بل ينبغي له أن ينكر عليه سؤاله، ويوجهه نحو ما ينفعه، ويقول له: " اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك ولا تخض فيما عساه يهلكك؛ لعدم استعدادك له (٣).
٦ - الشعور بالافتقار إلى الله (سبحانه) في إلهام الصواب، والدعاء بما يناسب
فينبغي للمفتي أن ينبعث من قلبه شعور صحيح بالافتقار إلى الله في أن يلهمه الصواب، ويوفقه لطريق الخير، ويهديه للجواب الصحيح.
وحري بمن اتصف بذلك أن يوفقه الله في مراده، وأن يدله على طريق الخير، كما ينبغي له - أيضا - أن يدعو بما يناسب المقام، ومن ذلك الحديث الصحيح.
«اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم (٤)».
وقد كان ابن تيمية (المتوفى سنة ٧٢٨ هـ ﵀) كثير الدعاء بذلك، وكان إذا أشكلت عليه المسائل، يقول: يا معلم إبراهيم علمني. . . " (٥).
_________________
(١) ينظر القرافي، الأحكام، ص٢٦٦.
(٢) ينظر أمثله لذلك في تعليق الشيخ " عبد الفتاح أبو غده " على القرافي، الأحكام ص٢٨٣
(٣) " القرافي، الأحكام، ص٢٨٣.
(٤) صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (٧٧٠)، سنن الترمذي الدعوات (٣٤٢٠)، سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (١٦٢٥)، سنن أبو داود الصلاة (٧٦٧)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١٣٥٧)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ١٥٦).
(٥) ابن القيم، أعلام الموقعين، ٤/ ٢٥٧
[ ١ / ١٦٨ ]
٧ - مراعاة العرف والعادة؛ إذ إن اختلافهما له أثر في اختلاف الحكم (١):
وهذا يستوجب من المفتي أن يسأل - أول ما يسأل - المستفتي - حين يجهل بلده عنها، وعن عرف أهلها في مثل هذا اللفظ، وعلى ضوء ذلك يجيب عما سأله " وهذا (السؤال من المفتي) أمر متعين واجب لا يختلف فيه العلماء، وأن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواء، أن حكمهما ليس سواء " (٢).
وأما حين يكون اللفظ صريحا في مدلوله من جهة اللغة، فقد اختلف العلماء في مراعاة العرف في ذلك، حيث يكون له مدلول غير مدلول اللغة، فقيل: يقدم المدلول اللغوي للفظ، وقيل يقدم العرف عليه، وقد رجح الإمام القرافي (٣) تقديم العرف قائلا: " والصحيح تقديمه؛ لأنه ناسخ، والناسخ مقدم على المنسوخ إجماعا، فكذلك هاهنا ".
٨ - التريث في الفتوى حين يشتمل اللفظ على بعض الملابسات التي تجعل المفتي يغلب على ظنه أن صيغة السؤال لا تعبر عن حقيقة الواقع تماما:
وذلك كأن يكون السائل عاميا لا يدري مدلول اللفظ، فنجده يطلق اللفظ الصريح على غير مدلوله، ويأتي باللفظ الخاص على مدلول عام، فينبغي للمفتي إذا غلب على ظنه أن مثل ذلك لا يقع له، أن يتأنى في شأن الفتيا حتى يتفقد قرائن أحوال المستفتي، وحتى ينكشف له واقع الحال، فيفتيه في ضوء ما تبين له، لا في حدود ما أطلقه من لفظ، وإن لم يصل المفتي إلى كشف الواقع، فلا يحل له أن يفتيه (٤).
ومن الملابسات التي تجعل المفتي يغلب على ظنه أن صيغة السؤال لا تعبر عن حقيقة الواقع، أن يكون المسئول عنه ما مثله لا يسأل عنه، فالغالب على الظن حينئذ أنه يقصد بالسؤال أمر لو صرح به، لامتنعت الفتيا به، ولهذا ينبغي للمفتي أن يتأنى في الفتيا، ويستكشف حال المستفتي ويبحث عن حقيقة سؤاله.
ويروي لنا القرافي (٥)، قصة حصلت له، تمثل ذلك أتم التمثيل، فيقول: " ولقد سئلت مرة عن عقد النكاح بالقاهرة: هل يجوز أم لا؟ فارتبت وقلت له: ما أفتيك حتى تبين لي: ما المقصود بهذا الكلام؟ فإن كل أحد يعلم أن عقد النكاح بالقاهرة جائز، فلم أزل به حتى قال: إنا أردنا أن نعقده خارج القاهرة فمنعنا؛ لأنه استحلال، فجئنا للقاهرة (فعقدناه)، فقلت له: هذا لا يجوز بالقاهرة، ولا بغيرها ".
٩ - النصح والشفقة على المستفتي: ولذلك صور كثيرة، ووجوده متعددة؛ إلا أن أبرزها دلالته على الأمر المباح، وتوجيهه للطريق المستقيم، وذلك حين يستفتي عن أمر محرم فيمنعه المفتي منه وحاجته
_________________
(١) القرافي، الأحكام، ص٢٤٩
(٢) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
(٣) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(٤) المصدر نفسه، ص٢٤٤، ٢٤٦، ٣٥٢.
(٥) لمصدر نفسه، ص٢٥٢، ٢٥٣
[ ١ / ١٦٩ ]
تدعوه إليه، ومصلحته تستدعي أن يكون مباحا تناوله، فمن تمام النصح والشفقة للمستفتي، أن يدله المفتي على الأمر المباح، الذي يكون عوضا عن الممنوع، وقائما في سد الحاجة مقام ذلك المحرم، وهو حين يسلك هذا المسلك، يكون مثله مثل طبيب الأبدان: يحمي العليل مما يضره، ويصف له ما ينفعه.
وقد جاءت أقوال الرسول (ﷺ) وأحكامه بهذا، ففي الصحيح أنه (ﷺ) قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم (١)»، كما يروي البخاري أنه (ﷺ) منع عامله على خيبر من شراء الصاع من التمر الجيد بالصاعين من الرديء، ثم دله على الطريق المباح؛ فقال: «بع الجمع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبا (٢)».
وكان العلماء (﵏) يسلكون ذلك الطريق، ويتحرونه في فتاويهم " ومن تأمل فتاوى ابن تيمية، وجد ذلك ظاهرا فيها " (٣).
١٠ - مراعاة الحكم الشرعي الذي يتفق مع مقاصد الشريعة، وحمل المستفتي على الأخذ به: ومعلوم أن الذي يتفق مع مقاصد الشريعة، ما كان من الأحكام جاريا على المعهود والوسط بين الشدة والخفة؛ فلا يحمل المستفتي على الشديد، ولا يفتح له باب الخفة المفضي إلى التحلل من أحكام الشرع.
ودليل قولنا، أن من تتبع الشريعة في مصادرها ومواردها، وجدها تنحو المنحي الوسط في الأمور، وتقصد الاعتدال في كل ما يقوم به المكلفون من أعمال، فالخروج عن ذلك إلى التشديد والتخفيف المفرط، خروج عن مقصد الشريعة.
ثم إن ذلك مفهوم من أمر رسول الله (ﷺ) وأصحابه (﵃)، والوقائع الصحيحة التي وصلت إلينا أخبارها مما لا يحصيه العد، تدل على صحة ما ذكر، ومن ذلك ما رواه البخاري وأحمد ومسلم من " أنه (ﷺ) «رد على عثمان بن مظعون التبتل (٤)»، (٥) وما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من " أنه (ﷺ) «قال لمعاذ: أفتان أنت يا معاذ (٦)»، وما رواه البخاري من أنه (ﷺ) قال: «إن منكم منفرين (٧)» وما رواه البخاري (٨) من أنه (ﷺ) قال: «سددوا وقاربوا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة (٩)». إلى غير ذلك مما يدل على أن الشريعة، قد بنيت على القصد والاعتدال، وروعي فيها اجتناب التشديد، أو التخفيف الذي يؤدي إلى التحلل من أحكام الإسلام.
ولما تقدم " كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء والراسخين (١٠).
_________________
(١) صحيح مسلم الإمارة (١٨٤٤)، سنن النسائي البيعة (٤١٩١)، سنن أبو داود الفتن والملاحم (٤٢٤٨)، سنن ابن ماجه الفتن (٣٩٥٦)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٩١).
(٢) صحيح البخاري البيوع (٢٢٠٢)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٣)، سنن النسائي البيوع (٤٥٥٣)، موطأ مالك البيوع (١٣١٤).
(٣) ابن القيم، أعلام الموقعين، ٤/ ١٥٩.
(٤) صحيح البخاري النكاح (٥٠٧٤)، صحيح مسلم النكاح (١٤٠٢)، سنن الترمذي النكاح (١٠٨٣)، سنن النسائي النكاح (٣٢١٢)، سنن ابن ماجه النكاح (١٨٤٨)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ١٨٣)، سنن الدارمي النكاح (٢١٦٩).
(٥) أبو البركات بن تيمية، منتقى الأخبار، كتاب النكاح.
(٦) صحيح البخاري الأدب (٦١٠٦)، صحيح مسلم الصلاة (٤٦٥)، سنن النسائي الإمامة (٨٣٥)، سنن أبو داود الصلاة (٧٩٠)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (٩٨٦)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٠٨).
(٧) صحيح البخاري الأذان (٧٠٢)، صحيح مسلم الصلاة (٤٦٦)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (٩٨٤)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ١١٨)، سنن الدارمي الصلاة (١٢٥٩).
(٨) الصحيح، كتاب الإيمان.
(٩) صحيح البخاري الإيمان (٣٩)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٥٠٣٤).
(١٠) الشاطبي، الموافقات، ٤/ ٢٥٨.
[ ١ / ١٧٠ ]
١١ - حسن النية، وسلامة القصد من المفتي: وذلك بأن يكون الهدف الأساسي له في فتواه الإرشاد إلى الحق، وهداية العامة طريق الرشاد، والعمل بأحكام الشرع الحنيف،
فلا يداخله رياء أو سمعة، أو حب للظهور بين الناس بمظهر العالم الجليل، أو الغيرة على شريعة الله، دون أن يكون لذلك رصيد في قلبه: من حسن في النية، وحب لإسداء الخير للناس، كما لا يجوز أن يداخله قصد لحطام الدنيا أو عرض من أعراضها (١).
١٢ - الاحتراز وأخذ الحيطة في الفتوى: ويتجلى ذلك في صور متعددة، تختلف في مقاصدها لكنه يجمعها معنى الاحتراز والحيطة اللذين تشتمل عليها.
ومن هذه الصور أن يكون السؤال محتملا لصور متعددة، ولا يخلو الأمر في هذه الحالة من أن يكون المفتي عالما بالصورة التي يقصدها المستفتي بسؤاله أو لا؟ فإن لم يكن عالما بذلك لم يجب عن أي صورة منها (٢)، وإن كان عالما بما يقصده المستفتي، فقد اختلف العلماء (﵏) في الطريقة التي يسوغ للمفتي أن يسلكها في إجابته. فذهب بعضهم إلى أنه يسوغ له أن يخصها وحدها بالجواب، ولكن يحتاط في نفي توهم أن الإجابة عن غيرها؛ بأن يضع قيودا تدل دلالة واضحة على أنها هي المقصودة بالجواب، وأنها المخصوصة به دون غيرها، كأنه يقول: " إن كان الأمر كيت وكيت، أو كان المسئول عنه كذا وكذا، فالجواب كذا وكذا " (٣)، كما يسوغ له عند هؤلاء طريق آخر، وذلك بأن يذكر جميع الصور المحتملة في المقام، ثم يذكر حكم كل صورة من هذه الصور على حدة. ويرى فريق آخر من العلماء، أنه لا يسوغ للمفتي إلا أن يتبع الطريقة الأولى - طريقة تخصيص الصورة المسئول عنها بالجواب - ولا يسوغ له ذكر جميع الصور، وذكر أحكامها.
ويعضد رأيه بما يأتي:
أولا:
أن في ذلك تعليما للحيل، وفتح أبواب كثيرة، يستطيع المستفتي أن يدخل ويخرج من أيها شاء.
ثانيا:
أن ذلك قد يؤدي إلى ضياع مقصود من سؤاله؛ إذ أنه يقصد به الوصول إلى جواب يعمل به في واقعته التي سأل عنها، فإذا وجد نفسه أمام أحكام متعددة لصور مختلفة لا تعنيه ولا يهمه أمرها، ازدحمت عنده الأحكام، وصعب عليه فهمها، واستخلاص ما يحتاج إليه منها، ومن هنا يكون هذا المسلك
_________________
(١) ينظر الآمدي، الأحكام ٤/ ٢٢٢.
(٢) ابن القيم، أعلام الموقعين ٤/ ٢٥٥.
(٣) المصدر نفسه، والصفحة نفسها
[ ١ / ١٧١ ]
سببا لفوات مقصوده.
وبينما نجد العلماء يختلفون فيما بينهم على هذا النحو الذي بينا، نجد الإمام ابن القيم يرى مذهبا وسطا بين المذهبين، فيقول (١): " والحق التفصيل؛ فيكره حيث استلزم ذلك (ضياع مقصود العامي) ولا يكره - بل يستحب - إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان إزالة لبس ".
وأيد رأيه (٢) بما ورد عن النبي (ﷺ) من التفصيل في كثير من أجوبته بقوله: إن كان كذا، فالأمر كذا، وذكر من ذلك قصة الذي وقع على جارة امرأته، فقال (ﷺ): " إن كان استكرهها فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت مطاوعة، فهي له، وعليه لسيدتها مثلها ".
ومن هذه الصور التي يتجلى فيها معنى الاحتراز والحيطة ما إذا كانت الفتوى قد يفهم منها أنها بنيت على معنى من المعاني، فقد يذهب نظر المستفتي إلى أنه هو العمدة في هذا الحكم، فيراعيه في القضايا التي يوجد فيها، وحين يكون هناك مانع يمنع من هذا، ينبغي التنبيه إليه، والاحتراز مما قد يؤدي إليه الفهم منه، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود أن النبي (ﷺ) قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها (٣)» (٤)، ففي النهي عن الجلوس عليها نوع تعظيم لها، وحيث خشي (ﷺ) أن يراعى تعظيمها فيعمل كل ما كان من شأنه خدمة هذا المعنى، ومن ذلك الصلاة إليها - لما خشي ذلك، صرح بالنهي عن المبالغة في تعظيمها، حتى تجعل قبلة يصلى إليها (٥).
ومن هذه الصور أيضا أن المفتي حينما يلقي الحكم على المستفتي، فمن اللائق به أن يذكر دليل الحكم ومأخذه؛ فإن في هذه الطريقة احتياطيا لكسب ثقة المستفتي بمفتيه، واطمئنان نفسه بالحكم الذي تلقاه منه، وفيها احتياطيا للمفتي بحيث يبرهن لغيره أنه إنما أفتاه عن علم ويقين لا عن تخرص وتخمين (٦).
والناظر في فتاوى النبي (ﷺ) الذي قوله حجة بنفسه، لا يحتاج إلى شيء يعضده ويسانده، يجدها مشتملة على التنبيه إلى حكمة الحكم، ووجه مشروعيته، ونظيره من الأحكام حتى يتأيد بها.
_________________
(١) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(٢) المصدر نفسه، ٤/ ٢٥٦.
(٣) صحيح مسلم الجنائز (٩٧٢)، سنن الترمذي الجنائز (١٠٥٠)، سنن النسائي القبلة (٧٦٠)، سنن أبو داود الجنائز (٣٢٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ١٣٥).
(٤) أبو البركات بن تيمية، منتقى الأخبار، باب "المواضيع المنهي عنها والمأذون فيها للصلاة ".
(٥) ابن القيم، أعلام الموقعين ٤/ ١٦٠.
(٦) المصدر نفسه، ٤/ ١٦١
[ ١ / ١٧٢ ]
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجة عن سعد بن أبي وقاص قال: «سمعت النبي (ﷺ) يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (١)» (٢) فمن المعلوم يقينا أنه (ﷺ) يعلم نقصان الرطب بعد يبسه، ولكنه أراد بهذا السؤال أن ينبههم إلى علة تحريم بيعه بالتمر.
ومن ذلك ما رواه أحمد وأبو داود من «قوله (ﷺ) لعمر حين سأله عن حكم تقبيل الصائم لامرأته: " أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس بذلك؟ قال (ﷺ): ففيم (٣)»؛ فهو أتى بين يدي الفتوى بمقدمة الشرب للصائم وهي المضمضة، وسأله عن حكمها ليتوصل من هذا إلى نقل مثل هذا الحكم إلى تقبيل الصائم لامرأته؛ إذ هما نظيران فكل واحد منهما مقدمة لمحظور، ولا يلزم من ذلك أن يكونا محظورين.
ومن هذه الصور - أيضا - أن المسألة حينما يكون في حكمها خلاف بين العلماء، فإن المفتي ينظر فيها على أساس من الاحتياط والاحتراز، فإن رأى أن الفتوى فيها ستثير استنكار بعض العلماء، وتوقع في التنازع، وتؤدي إلى الطعن فيه، فإن الاحتراز من ذلك يقضي بأن يحكى ما فيها من خلاف، ويورد ما لكل مذهب من أدلة، وينقل من الكتب ما يلائم المقام من نصوص. وبذلك يبين وجه الصواب لغيره ممن نازعه من العلماء، ويصون عرضه مما قد يحتمل من الطعن فيه.
وإن رأى أن الفتوى لا يقصد بها إلا مجرد الاسترشاد، ولا يحتمل من ورائها أن تثير استنكارا، ولا أن توقع في نزاع، أو تؤدي إلى طعن، فإنه يقتصر حينئذ على الجواب عن السؤال مجردا عن ذكر الخلافات وما يصاحبها من أدلة متباينة ونقول مختلفة، وهذا هو ما تقضي به مراعاة الاحتراز في الفتوى عن التشويش على المستفتي، والخوف من وقوعه في بلبلة فكرية من كثرة الآراء التي ألقيت عليه، فلا يدري بأيها يأخذ (٤). ومن صور الاحتراز التي ينبغي للمفتي التفطن لها أن لا يترك شيئا مما تلفظ به المستفتي مما له تأثير في الحكم إلا كتبه؛ وذلك أن المستفتي قد يأتي بفتوى محررة، لكنه يتلفظ بأمور ليست مكتوبة، وهي لها أثر في الحكم، فحينئذ ينبغي للمفتي أن يكتبها " بخطه بين الأسطر، أو يقول: قال المستفتي من لفظه كذا " (٥)؛ لأن في ترك ذلك - مع أنه قد راعاه في الفتيا - طعنا عليه في فتياه، فينبغي له أن يتحرز من هذا الطعن.
كما ينبغي له أن يتفقد أسطر الورقة تفقدا تاما، فإذا رأى في السطر بياضا سدده، وإذا رأى في السطر الأخير نقصا أكمله بخطه بما يكتبه في الفتيا؛ وذلك لأن مثل هذه الفراغات تكون مجالا للتوصل للباطل
_________________
(١) سنن الترمذي البيوع (١٢٢٥)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٥٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٦٤)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ١٧٩)، موطأ مالك البيوع (١٣١٦).
(٢) أبو البركات بن تيمية، منتقى الأخبار.
(٣) المصدر نفسه، باب "الصائم يتمضمض أو يغتسل من الحر".
(٤) القرافي، الأحكام، ص٢٦٨.
(٥) المصدر نفسه، ص٢٥٥.
[ ١ / ١٧٣ ]
والتتميم بما يخالف الحكم، فينشأ عن ذلك فتن عظيمة بين العلماء، وطعن أليم على المفتين، ويروي " القرافي " (١) قصة حصل فيها هذا المحذور؛ بسبب إهمال هذا المفتي لهذه الفراغات، وإكمال المستفتي لها بما يخالف حكم المفتي، فيقول " وقد استفتي بعض العلماء المشهورين عن رجل مات وترك أما وأخا لأم، وترك الكاتب في آخر السطر بياضا ثم قال: وابن عم، فكتب المفتي: للأم الثلث، وللأخ لأم السدس، والباقي لابن العم، فلما أخذ المستفتي الفتيا، كتب في ذلك البياض: وأبا، ثم دور الفتيا على الناس بالكوفة، وقال انظروا فلانا كيف حجب الأب بابن العم، فقال له أصحابه: مثله ما يجهل هذا، فقال: هذا خطه شاهد عليه، فوقعت فتنة عظيمة بين فئتين عظيمتين من الفقهاء ".
وأمثال هذه القصة كثير بسبب ما تزين للمستفتي نفسه أن يضيفه حين يجد المجال مفتوحا أمامه للإضافة، ولهذا فإنه ينبغي للمفتي التفطن التام لذلك " فإذا رأى فرجة يمكن أن يكتب فيها شيء، فليملأها بلفظ " صح، صح " ونحوها مما يشغل به تلك الفرجة، وإذا بقيت فرجة في آخر السطر، فليسدها بمثل " والحمد لله " أو " حسبنا الله "، ولينو بها ذكر الله تعالى. . . " (٢).
١٣ - تأدبه في صورة وضع الفتيا، حين يكون قد أفتى في القضية غيره ممن هو أعلى منه منزلة في العلم: ذلك أن في هذا تواضعا، والله يحب من اتصف بهذه الصفة، وفيه احتراما لذوي المنزلة العلمية، واعترافا بفضلهم ومكانتهم.
والتأدب في صورة وضع الفتيا له ناحيتان: ناحية من حيث التلفظ بالفتوى، وناحية من حيث الموضع الذي يكتبها فيه، ولكل من الناحيتين درجات تختلف قربا وبعدا عن التواضع.
وقد أوضح " القرافي " (٣) هذه الدرجات مبينا علل قربها أو بعدها عن التواضع، فقال: " فإن كان الذي تقدمه، في غاية الجلالة، فليقل: " كذلك جوابي " إن كان يعتقد صحة ما قاله من تقدمه، ودون ذلك في التواضع " جوابي كذلك "؛ لأن تقديم لفظ الجواب قبل التشبيه، تقديم لجوابه على جواب من تقدمه الكائن في التشبيه، وإن قال: " كذلك جوابي "، فالإشارة ب " ذلك " الذي دخلت عليه كاف التشبيه، هو جواب من تقدمه، فيكون قد قدم جواب السابق عليه قبل ذكر جوابه، والتقديم تعظيم واهتمام، فهو أدخل في الأدب.
ودون هاتين المرتبتين في التواضع، وأقرب إلى الترفع أن يكتب مثل الجواب بعبارة أخرى، ولا يشبه جوابه بجواب من تقدمه أصلا، وأرفع من ذلك وأبعد عن التواضع، أن يقول: " الجواب صواب " أو " الجواب صحيح " وهذا لا يستعمل إلا لمن يصلح للثاني أن يجيزه في الفتيا أو يزكيه في
_________________
(١) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
(٢) ابن فرحون، تبصرة الحكام، ط البهية، سنة ١٣٠٢هـ، ١/ ٢٠٩.
(٣) الأحكام، ص٢٦٤ - ٢٦٥.
[ ١ / ١٧٤ ]
قوله، وأن يكون معه في معنى التلميذ والتبع؛ لأنه أظهر أن جواب السابق في صورة من يشهد له هو بالصحة، أو بالصواب من جهة الثاني، وهذه أدنى الرتب لخلو اللفظ عن التعظيم بالكلية.
هذا من حيث اللفظ.
وأما من حيث الموضع الذي يكتب فيه، فإن اتضع، كتب خطه تحت خط الأول، وإن ترفع، كتب قبالته في يمين الخط أو شماله، وكذلك الجهة اليمنى أشرف من الجهة اليسرى، فالمتواضع يضع في اليسرى، والذي لا يقصد التواضع، ويقصد التعظيم للجهة اليمنى لكونها يمنى يضع فيها ".
* * *
[ ١ / ١٧٥ ]