ولما كان العام التالي خرج اليثربيون إلى الحج وبينهم كثرة من المسلمين فلما استقر بهم المقام خرج كعب بن مالك في صحبة البراء بن معرور يسألان عن (محمد) وما كانا يعرفانه فلقيهما رجل من أهل مكة فسألاه عنه فقال لهما: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب؟ قالا: نعم، حيث كان يقدم على المدينة تاجرا، قال المكي: إذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس، قال كعب: فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله - ﷺ - جالس معه، فسلمنا، ثم جلسنا إليه.
فقال رسول الله للعباس: هل تعرف الرجلين يا أبا الفضل؟.
قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك.
قال: رسول الله - ﷺ: الشاعر؟
قال: نعم (وهذه شهادة لشاعرية كعب يشهد له بها من أوتي جوامع الكلم).
ثم واعد المسلمون من الأوس والخزرج رسول الله - ﷺ - على اللقاء عند العقبة ليلا في أواسط أيام التشريق فلما كانت الليلة الموعودة خرجوا يتسللون إلى العقبة وعددهم ثلاثة وسبعون رجلا ومعهم امرأتان هما: نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو، ووافاهم الرسول مع عمه العباس (وكان على دين قومه).
[ ١ / ١١١ ]
وتكلم العباس فقال: إن محمدا منا في عز من قومه ومنعه في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه.
فقالوا له: سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله.
فتكلم رسول الله - ﷺ - فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
فأخذ البراء بن معرور يده، ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما تمنع منه أزرنا (كناية عن النساء) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (السلاح) ورثناها كابرا عن كابر.
فقال أبو الهيثم بن التيهان: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فتبسم الرسول وقال: بل الدم الدم والهدم الهدم (أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم) أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم.
ثم هاجر رسول الله - ﷺ - ولم يكد يقر قراره في المدينة حتى آخى بين المهاجرين والأنصار وكان نصيب كعب بن مالك (شاعرنا) من تلك المؤاخاة أخوته لطلحة بن عبيد الله.
[ ١ / ١١٢ ]