وأما الأمر الرابع
فروى جابر بن عبد الله ﵄ قال:
قال «رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (١)». رواه أحمد ومسلم والنسائي (٢).
_________________
(١) صحيح مسلم الحج (١٢٩٧)، سنن النسائي مناسك الحج (٣٠٦٢)، سنن أبو داود المناسك (١٩٧٠)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٣٧).
(٢) المنتقى مع شرح للشوكاني ج٥ ص٧٠.
[ ١ / ١٩٠ ]
وما روى أبو داود وابن ماجه في سننهما عن يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت «رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة ورجل خلفه يستره فسألت عن الرجل فقالوا الفضل بن عباس وازدحم الناس فقال النبي ﷺ يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا وإذا رأيتم الجمرة فارموا بمثل حصى الحذف (١)» سكت أبو داود عن الحديث وقال المنذري في إسناده يزيد بن أبي زياد (٢).
وقال الشوكاني: قوله على راحلته استدل به على أن رمي الراكب لجمرة العقبة أفضل من رمي الراجل، وبه قالت الشافعية، والحنفية، والناصر، والإمام يحيى، وقال الهادي والقاسم: إن رمي الراجل أفضل. اهـ (٣).
وقال ابن عابدين: وقوله " وجاز الرمي راكبا - إلخ " عبارة الملتقى أخص وهي جاز الرمي راكبا وغير راكب أفضل في جمرة العقبة. انتهى، وفي اللباب، والأفضل أن يرمي جمرة العقبة راكبا وغيرها ماشيا في جميع أيام الرمي - إلى أن قال: والضابط أن كل رمي يقف بعده فإنه يرميه ماشيا وهو كل رمي بعده رمي كما مر ومالا فلا ثم هذا التفصيل قول أبي يوسف وله حكاية مشهورة ذكرها (ط) وغيره وهو مختار كثير من المشايخ كصاحب الهداية والكافي والبدائع وغيرهم، وأما قولهما فذكر في البحر أن الأفضل الركوب في الكل على ما في الحاشية، والمشي في الكل على ما في الظهيرية وقال: فتحصل إن في المسالة ثلاثة أقوال - ثم قال: " قوله ورجحه الكمال " أي بأن أداءها ماشيا أقرب إلى التواضع والخشوع وخصوصا في هذا الزمان فإن عامة المسلمين مشاة في جميع الرمي فلا يؤمن من الأذى بالركوب بينهم - بالزحمة، ورميه ﵇ راكبا إنما هو ليظهر فعله ليقتدى به كطوافه راكبا. اهـ.
قال في البحر: " ولو قيل بأنه ماشيا أفضل إلا في رمي جمرة العقبة وفي اليوم الأخير لكان له وجه لأنه ذاهب إلى مكة في هذه الساعة كما هو العادة وغالب الناس راكب فلا إيذاء في ركوبه مع تحصيل فضيلة الاتباع له ﵊. اهـ (٤). وقال السرخسي: وإن رماها راكبا أجزأه لحديث جابر ﵁ «أن النبي ﷺ " رمى الجمار راكبا (٥)». اهـ (٦).
_________________
(١) سنن أبو داود المناسك (١٩٦٦)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٣١)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٣٧٩).
(٢) مختصر سنن أبي للمنذري ج٢ ص٤١٥.
(٣) نيل الأوطار ج٥ ص٧١.
(٤) رد المحتار على الدر المختار ج١ ص٢٥٤.
(٥) سنن الترمذي الحج (٨٩٩)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٣٤)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٢٣٢).
(٦) المبسوط ج٤ ص٦٩.
[ ١ / ١٩١ ]
وفي المدونة الكبرى: قلت فهل يرمي الرجل الجمار راكبا أو ماشيا قال: قال مالك أما الشأن يوم النحر فيرمي جمرة العقبة راكبا كما يأتي على دابته يمضي كما هو يرمي، وأما في غير يوم النحر فكان يقول يرمي ماشيا قلت فإن ركب في رمي الجمار في الأيام الثلاثة أو مشي يوم النحر إلى جمرة العقبة فرماها ماشيا هل عليه لذلك شيء؟ قال: ليس عليه لذلك شيء. اهـ (١).
وقال الدسوقي: " قوله وإن راكبا " أي هذا إذا وصل إليها ماشيا بل إن وصل إليها راكبا وهذا من تعليقات الندب أي أنه يندب أن يرميها حين وصوله على الحالة التي وصل عليها من ركوب أو مشي فلا يصبر حتى ينزل إذا وصل راكبا ولا يصبر حتى يركب إذا وصل إليها ماشيا لأن فيه عدم الاستعجال برميها. اهـ (٢).
وقال الشافعي: ولا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة وحدها ويرميها راكبا وكذلك يرميها يوم النفر راكبا ويمشي في اليومين الآخرين أحب إلي ثم قال: وإن ركب فلا شيء علي - ثم ساق رواية قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي قال «رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة على ناقته الصهباء وليس ضرب ولا طرد ولكن قيل إليك إليك (٣)». اهـ (٤).
وقال النووي: (٥) (فرع) مذهبنا أنه يستحب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا إن كان دخل منى راكبا ويرمي في أيام التشريق ماشيا إلا يوم النفر فراكبا، وبه قال مالك، قال ابن المنذر: وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون مشاة واستحبه أحمد وكره جابر الركوب إلى شيء من الجمار إلا لضرورة. قال وأجمعوا على أن الرمي يجزئه على أي حال إذا وقع في المرمى دليلنا الأحاديث الصحيحة السابقة «أن النبي ﷺ رمى جمرة العقبة راكبا يوم النحر (٦)» والله أعلم.
وقال ابن قدامة (٧): ويرميها راكبا أو راجلا كيفما شاء لأن النبي ﷺ رماها على راحلته رواه جابر وابن عمر وأم أبي الأحوص وغيرهم قال جابر: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتى هذه (٨)».
وقال نافع: كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا ذاهبا وراجعا وزعم أن النبي ﷺ كان لا يأتيها إلا ماشيا ذاهبا وراجعا رواه أحمد في المسند.
ثم قال وفي هذا بيان للتفريق بين هذه الجمرة وغيرها. اهـ.
_________________
(١) المدونة الكبرى جـ١ ص٢٣٥.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير جـ٢ ص٤٥
(٣) سنن الترمذي الحج (٩٠٣)، سنن النسائي مناسك الحج (٣٠٦١)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٣٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٤١٣)، سنن الدارمي المناسك (١٩٠١).
(٤) الأم للشافعي جـ٢ ص٢١٣.
(٥) المجموع للنووي جـ٨ ص١٨٣.
(٦) سنن الترمذي الحج (٨٩٩)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٣٤)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٢٣٢).
(٧) المغني مع الشرح الكبير جـ٣ ص٤٤٩.
(٨) صحيح مسلم الحج (١٢٩٧)، سنن النسائي مناسك الحج (٣٠٦٢)، سنن أبو داود المناسك (١٩٧٠)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٣٧).
[ ١ / ١٩٢ ]
وقال البهوتي (١): فإذا وصل إلى منى. . . بدأ بها راكبا إن كان راكبا الحديث «ابن مسعود أنه انتهى إلى جمرة العقبة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات وهو راكب يكبر مع كل حصاة. . - إلى أن قال -: ههنا كان يقوم الذي أنزلت عليه سورة البقرة (٢)». رواه أحمد. وظاهر كلام الأكثر ماشيا وإلا أي لم يكن راكبا رماها ماشيا. اهـ.
مما تقدم يتبين أن النبي ﷺ رمى الجمرة راكبا وأن الفقهاء اتفقوا على أنه يجزئ الرمي راكبا وماشيا، واختلفوا في الأفضل منهما، هل هو الرمي ماشيا، لأنه أقرب للتواضع والبعد عن إيذاء المشاة، وإنما رماها ﷺ راكبا ليراه الناس ويسألوه ويقتدوا به، أو الرمي راكبا اقتداء بالنبي ﷺ.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إذا جاز رمي الجمرات راكبا جاز السعي فوق سقف المسعى، فإن كلا منهما نسك أدي من غير مباشرة مؤديه للأرض التي أدى عليها، بل السعي فوق السقف أقرب من أداء أي شعيرة من شعائر الحج أو العمرة فوق البعير ونحوه لما في البناء من الثبات الذي لا يوجد في المراكب.
ونظرا إلى أن السعي فوق سقف المسعى لم نقف فيه على نصوص للفقهاء وأن ما يرجع إليه من أقوالهم للاسترشاد بها على هذه المسألة ليس بكثير وليس الخلاف فيه كثيرا اكتفينا بما نقلناه سائلين الله التوفيق للجميع، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،،،،،
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب الرئيس رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان عبد الرزاق عفيفي إبراهيم بن محمد آل الشيخ
_________________
(١) كشاف القناع ج٢ ص ٤٤٩
(٢) صحيح مسلم الحج (١٢٩٦)، سنن الترمذي الحج (٩٠١)، سنن النسائي مناسك الحج (٣٠٧٣)، سنن أبو داود المناسك (١٩٧٤)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٣٠)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٤٢٧).
[ ١ / ١٩٣ ]