لسان وكيان
أحمد محمد جمال
قبل أن نتحدث عن (اللغة العربية) كلسان للأمة العربية خاصة، وللعالم خاصة، وللعالم الإسلامية الأكبر بصفة عامة، وأثرها العميق الوثيق في تكوين كيان الأمة الإسلامية عقيدة وشريعة، وخلقا وتعاملا وارتباطا. .
قبل ذلك لا بد من مقدمة وجيزة عن " اللغة " من حيث الاصطلاح الأدبي والاجتماعي:
اختلف الباحثون في نشوء اللغات: هل هو توقيفي؟ أم تواضعي؟ ويقول ابن فارس في كتابه " فقه اللغة ": أن لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (١) أي الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض وجبل وسهل وأشباه ذلك. . ويوضح ابن فارس معنى أن اللغة توقيف بقوله: " وليس معنى ذلك أن اللغة كلها جاءت جملة واحدة، وإنما المعنى أن الله علم آدم ما شاء، ثم علم بني آدم بعده ما شاء أيضا حتى انتهى الأمر إلى نبينا " - ﷺ - "، فآتاه الله ما لم يؤت أحدا من قبله.
أما ابن جني فيقول: في كتابه " الخصائص ": إن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة، وذلك بأن يضع حكيمان أو ثلاثة لكل واحد من الأشياء سمة ولفظا ".
ويرى علماء الاجتماع أن " اللغة " تجعل من الأمة الناطقة بها كلا متراصا يخضع لقانون واحد، وأنها الرابطة الحقيقية الوحيدة بين عالم الأذهان وعالم الأبدان. وهي نظرية تصدق على لغتنا العربية
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٣١
[ ١ / ٩١ ]
كما يقول الدكتور عثمان أمين - أكثر مما تصدق على أية لغة أخرى. فاللغة العربية عظيمة الأثر في تكوين عقليتنا، وهداية سلوكنا، وتصريف أفعالنا. ذلك أنها تمتاز على اللغات الأخرى " بمثالية " عميقة صريحة، تحسب حساب الفكرة والمثال وتضعهما مكان الصدارة والاعتبار. . أي أن لغتنا العربية تفترض دائما أن شهادة الفكر أصدق من شهادة الحس، ويكفي في التعبير بها إنشاء علاقة ذهنية بين المسند والمسند إليه، دون حاجة إلى فعل الكينونة الذي هو لازمة ضرورية في اللغات " الهندو - أوربية " ودون الحاجة إلى التصريح بضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب، لأن الذات متصلة دائما بالفعل في نفس تركيبه الأصلي.
ويقول ابن خلدون: الملكات الحاصلة للعرب أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات على كثير من المعاني، مثل الحركات التي تعين الفاعل من المفعول والمجرور - أي المضاف - ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى. . ولا يوجد ذلك إلا في لغة العرب. وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو حال لا بد من ألفاظ تخصه بالدلالة، ولذلك نجد كلام العجم في مخاطبتهم أطول مما نقدره بكلام العرب. . ".
[ ١ / ٩٢ ]