لا: يخلو أي عصر من العصور - مهما كان ما يسير عليه من أنظمة دينية وسياسية واقتصادية، وغيرها من ظواهر اجتماعية: تبرز في محيطه، ويكون لها الأثر القوي في سلوكه، والهيمنة الكاملة في توجيه طاقاته نحو ما يعود عليها بالخدمة، للحفاظ عليها وتنميتها إن كانت ظواهر محمودة، وبإزالتها إن كان يمكن ذلك - أو إيجاد ما قد يحد من خطرها - حين لا يمكن ذلك - إن كانت ظواهر سيئة.
والباحث النابه يكون واجبه تجاه ذلك، ملاحقة تلك الظواهر، والتحدث فيها، والمشاركة في بحثها على النحو الملائم لها، شأنه في ذلك شأن الطبيب الماهر الذي يتتبع الأمراض البدنية ليطبق عليها ما جد في دنيا الطب من علاج، ويعصر ذهنه بالمقارنة والتجربة لما لم يجد له قبل ذلك نظيرا، ويتتبع الظواهر الصحية، فيهديها لمجتمعه، ويعين على تنميتها إلى أرفع مستوى يستطيع الوصول إليه بها.
ومن هذه الظواهر الاجتماعية غير المحمودة، التي برزت في المجتمعات الإسلامية في هذا العصر، الجهل بكثير من أحكام دينها، حتى صار كثير من الناس يسير في أمور دينه على غير هدى، وصار الحصيف فيهم من يسأل العلماء عما يحتاج إليه في ذلك.
ومن هنا برزت قضية الفتوى من العالم للجاهل، علاجا لتلك الظاهرة، أو مواجهة لها بما قد يحد من آثارها على المتصف بها.
[ ١ / ١٥٧ ]
غير أن هذا العلاج - وإن كان هو العلاج الوحيد لهذه الظاهرة - لم يسر سيره الذي ينبغي أن يسيره في كثير من الشعوب الإسلامية؛ حيث تصدى للفتوى كثير ممن لا تتوفر فيهم شروط المفتي، ولا تكتمل فيهم كثير من الأمور التي ينبغي لمن نصب نفسه لهذا المنصب أن يتفطن لها، وذلك ناتج في كثير من الأحوال عن قلة من هو أهل لهذا المنصب، وانغماره في خضم هذه الأمواج الهائلة من الجهلة بأحكام دينها؛ وحب كثير ممن شدا بقسط قليل من العلم للظهور والتبوء للمكان الذي لم يتأهل بعد لأن يتسنم ذروته.
ومن أجل ذلك كله آثرت أن يكون هذا البحث متناولا للمفتي في الشريعة الإسلامية.
ولن يخفى على رواد هذا الميدان أن الإلمام به، والتعمق في جزيئاته - في بحث قصير كهذا - بعيد، إن لم يكن مستحيلا.
لذا فإنني سأقتصر فيه على:
التعرف على المفتي.
أقسام المفتين.
منزلة المفتي في الشريعة الإسلامية.
شروط من يتصدى لهذا المنصب العظيم.
وجملة أمور مما ينبغي له أن يتفطن لها حينما يمارس الفتوى، وأختمه بخاتمة ألخص فيها ما أنتهي إليه من نتائج، مذيلة باقتراحات تهدي إليها تلك النتائج، وتؤكد ضرورتها، سائلا الله (سبحانه) أن يمدني بعونه فيما أترسمه من خطوات، وإلهامه فيما أقرره من حقائق، وتوفيقه فيما أصل إليه من نتائج ومقترحات.
* * *
[ ١ / ١٥٨ ]