الإيمان عقيدة وعمل، إذ لا أثر للعقيدة يدل على صدق صاحبها إلا إذا أقام سلوكه عليها، ووقف عند حدودها، والتزم بما فيها، وبقدر ما يكون العمل تكون درجة الإيمان قوة وضعفا، وزيادة ونقصا.
والشريعة الإسلامية تنبثق من عقيدة الإسلام تنظيم حياة الفرد وحياة الأمة، والعمل بها من أركان الإيمان ومقتضيات توحيد الله ﷿، وما كان للمؤمنين في حياة رسول الله - ﷺ - أن يتصفوا بالإيمان وهم لا يتحاكمون إلى رسول الله في كل أمر من الأمور يستوي في هذا ما يتعلق بالعبادات، وما يتعلق بالمعاملات، فإن تحكيم رسول الله - ﷺ - في كل شأن من شئون الحياة مع التسليم والرضا من صميم الإيمان، ويكون هذا بعد مماته بتحكيم شريعته، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١)
_________________
(١) سورة النساء الآية ٦٥
[ ١ / ٧٢ ]
ويأتي بيان هذه الحقيقة في صورة القسم المؤكد بالنفي، فإن دخول لا النافية على القسم إذا كان جواب القسم منفيا يؤكد نفي الجواب، والجواب هنا نفي الإيمان (لا يؤمنون).
كما سيأتي شاملا لأي شجار، فإن (ما) في قوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) من صيغ العموم فتشمل أي خلاف في أي شأن من الشئون، والتقييد بعدم الحرج يؤكد ضرورة الرضا حتى يكون التحاكم من صميم القلب ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ (٢)
ويجب أن يكون الانقياد لحكم الشريعة ظاهرا وباطنا، فيأتي التعبير بالتسليم مؤكدا بالمصدر في قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه ذلك.
وإذا كان تحكيم الشريعة الإسلامية بهذه المثابة اتباعا لما جاء به الرسول - ﷺ -. فإن الوقوف عند ذلك هو سبيل المؤمنين، لأنه دينهم، أما مخالفة ما جاء به رسول الله - ﷺ - بعد أن ظهرت البراهين الدالة على رسالته وسلوك طريق غير طريق المؤمنين وما هم عليه من دين الإسلام والعمل بأحكامه فهو موالاة للضلال وخروج عن الدين يصلى أصحابه نار الجحيم، يستوي في هذا أن تكون المخالفة عامة في كل شيء أم في بعض الأمور دون بعض، حيث تكون المشاقة، فإن أصل معناها كونك في شق غير شق صاحبك، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤)
ذلك لأن التشريع من خصائص الألوهية. فإقرار تشريع لسلطة بشرية في فرد أو جماعة شرك بالله، وهذا ما يدل عليه تعليل مصير المشاقين في الآية السابقة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٥) وقد قال الله في اليهود والنصارى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦)
ولم يكونوا عبدوهم مع الله، وإنما اعترفوا لهم بحق التشريع من دون الله فأحلوا لهم وحرموا عليهم:
عن عدي بن حاتم قال: «سمعت النبي - ﷺ - يقرأ هذه الآية الآية فقلت له: إنا لسنا نعبدهم.
قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه. ويحلون ما حرمه الله فتحلونه؟
فقلت: بلى.
قال: فتلك عبادتهم (٨)».
ونفى الله تعالى الإيمان عن اليهود الذين جاءوا إلى رسول الله - ﷺ - متحاكمين إليه
_________________
(١) سورة النساء الآية ٦٥
(٢) سورة النساء الآية ٦٥
(٣) سورة النساء الآية ٦٥
(٤) سورة النساء الآية ١١٥
(٥) سورة النساء الآية ١١٦
(٦) سورة التوبة الآية ٣١
(٧) سنن الترمذي تفسير القرآن (٣٠٩٥).
(٨) سورة التوبة الآية ٣١ (٧) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[ ١ / ٧٣ ]
طمعا في أن يوافق حكمه أهواءهم وتحريفهم للتوراة، فلما حكم بينهم بالحق تولوا وأعرضوا، إذ لا يجتمع الإيمان مع عدم تحكيم شريعة الله، بل مع عدم الرضا بحكمها كذلك، لأن عدم الرضا من التولي قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)
إن حقيقة الإيمان هي التصديق القلبي الذي يظهر أثره في السلوك العلمي، ودعوى الإيمان باللسان مع التولي والإعراض عن تحكيم الشريعة دعوى كاذبة لدى المنافقين. ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)
أما سلوك الإيمان لدى ذويه فهو السمع والطاعة لما جاء عن الله وما جاء عن رسوله - ﷺ - انقيادا لحكم الشريعة، وهؤلاء المؤمنون الذين يتصفون بذلك هم المفلحون، لأن سبيل الفلاح هو الاستقامة على مناهج الله وشرعه ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)
فمنطق الإيمان هو منطق التسليم المطلق لقضاء الله وقضاء رسوله، وعلى هذه القاعدة يجب على الأمة المسلمة أن تبني منهجها في الحياة بكل شأن من شئونها، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإلا كانت عاصية ضالة، ولا خيرة للمؤمنين في سلوك منهج آخر ما داموا متصفين بالإيمان.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٤)
فالإيمان بوحدانية الله، يعني أنه لا عبودية إلا لله، فلا عبودية لصنم أو وثن، أو مخلوق، أو هوى، أو قانون وضعي، أو نحو ذلك مما يكون الخضوع فيه لغير الله، وتكون الطاعة فيه لغير شريعة الله ذلك لأن العبودية لله وحده تفترض الاهتداء بهديه وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه كما جاءت على لسان رسل الله إلى البشر.
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٤٣
(٢) سورة النور الآية ٤٧
(٣) سورة النور الآية ٥١
(٤) سورة الأحزاب الآية ٣٦
[ ١ / ٧٤ ]