يشترط العلماء في المفتي بمعناه الاصطلاحي - الذي رجحناه فيما مضى - شروطا كثيرة، وأهمها ما يأتي:
١ - الإسلام: فلا يمكن لأحد أن يتبوأ منصب الإفتاء إلا حين يكون مسلما، وهذا الشرط مما أجمع الناس عليه (١)؛ إذ أنه يخبر عن الله، وينوب عن رسوله (ﷺ) ويتلقى الناس ما يقوله على أنه دين الله (تعالى)، ولا يتصف بذلك إلا من كان مسلما.
٢ - التكليف: وذلك بأن يكون المتولي لهذا المنصب بالغا عاقلا، وهذا الشرط مما أجمع عليه أيضا (٢)، فإن الصبي لا حكم لقوله في مثل هذا، والمجنون مرفوع عنه القلم، فلا يتسنى له أن يحتل مكانة الإفتاء.
_________________
(١) أحمد بن حمدان الحراني، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، مشق، نشر المكتب الإسلامي ط أولى، ص١٣
(٢) المصدر نفسه والصفحة نفسها
[ ١ / ١٦٢ ]
٣ - العلم: وهو شرط أساسي لمن تقلد هذا المنصب؛ إذ أنه مبلغ عن الله أحكامه، ولا يبلغ عنه من جهل أحكامه، ولهذا يروي الخطيب البغداي (المتوفى سنة ٤٦٢ هـ) بسنده (١) أن رسول الله (ﷺ) قال: «من أفتى بغير علم لعنته الملائكة»، ويروى أيضا (٢) أن رسول الله (ﷺ) قال: «من أفتى بفتيا بغير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه (٣)».
٤ - العدالة: في الأقوال والأفعال وذلك بأن يكون مستقيما في أحواله، محافظا على مروءته، صادقا فيها بقوله، موثوقا به، ويفسر لنا الشيخ " أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي " (٤) (المتوفى سنة ٦٩٥ هـ) المتصف بالعدالة، فيقول: " والعدل من استمر على فعل الواجب والمندوب والصدق وترك الحرام والمكروه والكذب، مع حفظ مروءته ومجانبة الريب والتهم. . . " وهذا الشرط قد دل عليه الإجماع؛ حيث إن المفتي يخبر عن الله (تعالى) بحكمه، ولا يكون ذلك إلا لمن اتصف بالعدالة (٥)، ثم إن " علماء المسلمين لم يختلفوا في أن الفاسق غير مقبول الفتوى في أحكام الدين، وإن كان بصيرا بها " كما صرح بذلك الخطيب البغدادي (٦) وأما حين تظهر عليه صفة " العدالة "، لكن باطنه مجهول في ذلك، فلعلمائنا (﵏) قولان في وصفه بالعدالة أو عدم وصفه بها أظهرهما عدم وصفه بها (٧).
٥ - حسن الطريقة، وسلامة المسلك، ورضا السيرة: فلا بد لمن تقلد هذا المنصب أن يتصف بذلك، فيكون حسن الطريقة، سليم المسلك، مرضي السيرة، حتى يثق الناس بأقواله، ويقبلوا ما يقوله لهم؛ حيث إنهم يتلقون منه أمورا هي أعظم شيء في نفوسهم، وهي أحكام الدين، ومن المعلوم أنهم لا يتلقون ذلك إلا ممن تحروا فيه هذه الأوصاف، وأما من يتحلى بها، فهم يعرضون عنه مهما كانت درجته الكبرى في الناحية العلمية، لذلك نرى الإمام القرافي (المتوفى سنة ٦٨٤ هـ) يؤكد هذا الشرط ويوضحه أتم إيضاح حيث يقول " وينبغي للمفتي أن يكون. . . حسن السيرة. . . ويقصد بجميع ذلك التوسل إلى تنفيذ الحق وهداية الخلق، فتصير هذه الأمور كلها قربات عظيمة، وإليه الإشارة بقوله (تعالى) حكاية عن إبراهيم (﵇): ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٨). قال العلماء:
_________________
(١) الفقيه والمتفقه، مطابع القصيم، سنة ١٣٨٩ هـ، ٢/ ١٥٥
(٢) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
(٣) سنن ابن ماجه المقدمة (٥٣)، سنن الدارمي المقدمة (١٥٩).
(٤) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، ص ١٣
(٥) المصدر نفسه - والصفحة نفسها
(٦) الفقيه والمتفقه، ٢/ ١٥٧
(٧) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي ص١٣
(٨) سورة الشعراء الآية ٨٤
[ ١ / ١٦٣ ]
معناه، ثناء جميل، حتى يقتدي بي الناس. . "
٦ - الورع والعفة عن كل ما يخدش الكرامة، والحرص على استطابة المأكل:
فحري بمن انتصب لهذا الأمر العظيم ألا يقوم به حق القيام إلا حين يكون متصفا بالورع، جاعلا نصوص الوعيد والتهديد لمن خالف أوامر الله بين عينيه، وحري به ألا يقوم به حق القيام إلا حين يكون عفيفا عما في أيدي الناس، وعما يعتبر في عرفهم من صفات الدناءة والضعة، وإلا حين يكون حريصا أشد الحرص على أن يكون مكسبه حلالا، وطرق معاملته مع الناس قائمة في أصولها وفروعها على وفق منهج الله، وفي حدود ما رسمه في شرعه، وأن يكون مأكله حلالا خالصا؛ بأن يكون قد عرف طرق حصوله وأيقن بحلها؛ فهذه صفات لا بد من حصولها في المفتي كي يوفق في أداء رسالته؛ إذ أن من لا يتورع عن الشبهات، ولا يعف عما في أيدي الناس، ولا يرعى العرف في تقويم الأمور وتنزيلها منازلها، من حيث الإقدام عليها، أو الإحجام عنها، ولا يحرص على أن يكون ما يتناوله طيبا وحلالا خالصا، إن من لا يرعى ذلك كله حري به ألا يوفق فيما يفتي به، وألا يصيب حكم الله فيما يسأل عنه، وألا يسمع منه حين يفتي، ولا يستجاب لقوله حين يقول، ولهذا نرى الخطيب البغدادي (١) يؤكد اشتراط هذه المعاني، فيقول في معرض ذكره لما يشترط في المفتي: " وينبغي أن يكون المفتي. . . حريصا على استطابة مأكله، فإن ذلك أول أسباب التوفيق، متورعا عن الشبهات ". ويتابعه القرافي (﵀) (٢) في ذلك فيقول: ". . . وأن يكون (المفتي) قليل الطمع، كثير الورع، فما أفلح مستكثر من الدنيا، ومعظم أهلها وحطامها ".
٧ - رصانة الفكر وجودة الملاحظة، والتأني في الفتوى، والتثبت فيما يفتي به:
فهذه صفات يلزم وجودها فيمن يتصدى للفتيا؛ إذ أن من كان ناقصا في فهمه، أو متصفا بالغفلة، أو معروفا بالعجلة في فتواه والتسرع بالإجابة عما يسأل عنه - دون أن يتثبت من ذلك - إذ أن من كانت أوصافه كذلك، قد فقد أول أسباب التوفيق، وحري بمن فقد أولها ألا يحالفه الحظ في وجدان آخرها، وألا ينال في آخر المطاف غايته التي قصدها (٣).
٨ - طلب المشورة من ذوي الدين والعلم والرأي:
وهذا شرط مأخوذ من عمومات الشريعة في غير موضوع الفتوى، ومما درج عليه السلف الصالح فيها، حيث كانوا يستشيرون حين تعرض لهم المشكلة، أو يسألون عنها، ودليل ما نقوله أن الله (﷾) أثنى على المؤمنين؛ حيث كان أمرهم شورى بينهم، وأمر نبيه (ﷺ) بأن يشاورهم في الأمر، وما كان من شأن عمر بن الخطاب (﵁)، حيث كانت المسألة تنزل عليه، فيستشير فيها من حضر من الصحابة
_________________
(١) الفقيه والمتفقه، ٢/ ١٥٨
(٢) الأحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، ص ٢٧٤
(٣) الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، ٢/ ١٥٨
[ ١ / ١٦٤ ]
بل ربما جمعهم وشاورهم، حتى كان يشاور ابن عباس (﵄) وهو إذ ذاك أحدث القوم سنا.
وينبغي أن يعلم أن هذا الشرط مقيد بما إذا " لم يعارضه مفسدة؛ من إفشاء سر السائل، أو تعريضه للأذى، أو مفسدة لبعض الحاضرين " (١)؛ فإنه إن عارضه ذلك، فلا ينبغي أن يرتكب؛ دفعا لتلك المفاسد.
٩ - رؤيته لنفسه بأنه أهل لهذا المنصب، وشهادة الناس له بالأهلية له:
فهذا شرط يورثه اليقين بصلاحيته للفتيا فيمضي فيها، ويرشحه في نظر العامة لهذا المقام، فيقدمون عليه يتلقون عنه أحكام دينهم، وما لم يعزز الإنسان بهذين الوصفين، فلن يكون صالحا لتبوء هذا المنصب، ولن يكون موثوقا بما يفتي به، ولا مقبولا عند العامة في سماع ما يقوله لهم في أمر دينهم، ولمالك بن أنس (﵀) نصوص تدل لذلك، فقد ذكر القرافي عنه (٢)، أنه قال: " لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك، ويرى هو نفسه أهلا لذلك، يريد تثبت أهليته عند العلماء، ويكون هو بيقين، مطلعا على ما قاله العلماء في حقه من الأهلية؛ لأنه قد يظهر من الإنسان أمر على ضد ما هو عليه، فإذا كان مطلعا على ما وصفه به الناس، حصل اليقين في ذلك، وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا " (٣)، كما روى الخطيب البغدادي (٤) بسنده، أن مالك بن أنس يقول: " ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك " وروى (٥) بسنده أيضا إلى خلف بن عمر - صديق كان لمالك - قال: " سمعت مالكا يقول: " ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعا لذلك؟؛ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقلت له: يا أبا عبد الله: لو نهوك؟ قال: كنت أنتهي؛ لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء، حتى يسأل من هو أعلم منه ".
* * *
_________________
(١) ابن القيم إعلام الموقعين ٤/ ٢٥٧
(٢) الفروق، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، ط أولى سنة ١٣٤٤ هـ ٢/ ١١٠
(٣) لأن التحنك هو شعار العلماء، انظرالمصدر نفسه، والصفحة نفسها
(٤) الفقيه والمتفقه، ٢/ ١٥٤
(٥) المصدر نفسه، والصفحة نفسها
[ ١ / ١٦٥ ]