مجاهد على الدوام
روى الإمام البخاري أن رسول الله - ﷺ- قال: «جعل رزقي تحت ظل رمحي (٢)». والنفس تفهم من هذا الحديث الكريم معنى ترجو أن يكون صوابا من الله: وإلا فالخطأ منها ومن الشيطان، أن الحق لا بد له من قوة تحرسه وتصونه، وإلا ضاع تحت جبروت الباطل، والعامة تقول: المال السايب يعلم السرقة وكذلك قيل: من لم يتذأب أكلته الذئاب.
فرزق المسلم وهو يتمثل في داره وعقاره، وسكنه ووطنه، وزرعه وضرعه، وكل ما يحوزه ويملكه - يجب أن يكون محروسا بعدته وعتاده، مستظلا بسلاحه ورماحه، ومن هنا قال الله في القرآن الكريم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٣)
وليست الحرب في الإسلام غاية مقصودة لذاتها، ولكنها خطة يدفع إليها بغي الباغين وظلم الظالمين، ولذلك قال الله تعالى في التنزيل المجيد: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤) وقال أيضا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥)
_________________
(١) د. أحمد الشرباصي. أستاذ بجامعة الأزهر
(٢) مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٩٢).
(٣) سورة الأنفال الآية ٦٠
(٤) سورة البقرة الآية ١٩٠
(٥) سورة البقرة الآية ١٩٤
[ ١ / ١٣٧ ]
وصيانة الحق والرزق تستلزم أن يكون أبناء الإسلام دائما على إعداد واستعداد، وأن تكون طائفة منهم على الدوام في حالة رباط، أو على أرض الميدان، حتى يظل الجهاد فريضة قائمة باقية، وصلوات الله وسلامه على رسوله حين مجد شأن المؤمن المجاهد الموصول النضال، فقال: «خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها (١)».
* * *
وهذا: واحد من أبناء الإسلام، وأتباع محمد - ﵊ - يظل أكثر من خمسين عاما يحمل سلاحه، ويسدد رماحه، ويذود عن حمى الدين، ويصون حرمات المسلمين، ويتقرب بالجهاد إلى الله رب العالمين: إنه البطل القائد، الأمير الفاتح أبو سعيد مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي الأموي الدمشقي، وإليه تنسب جماعة بني مسلمة التي كانت بلدتهم هي الأشمونين وفيها منازلهم، وهي بلدة بالصعيد الأعلى في مصر غربي نهر النيل.
وكان مسلمة بن عبد الملك من أبطال عصره، بل من أبطال الإسلام المعدودين، حتى كانوا يقولون عنه أنه خالد بن الوليد الثاني، لأنه كان يشبه سيف الله المسلول في شجاعته وكثرة معاركه وحروبه، ويقول عنه المؤرخ يوسف بن تغري: روى صاحب كتاب النجوم الزاهرة هذه العبارة: كان شجاعا صاحب همة وعزيمة، وله غزوات كثيرة (٢). ويقول عنه ابن كثير: وبالجملة كانت لمسلمة مواقف مشهورة، ومساع مشكورة، وغزوات متتالية منثورة، وقد افتتح حصونا وقلاعا، وأحيا بعزمه قصورا وبقاعا، وكان في زمانه في الغزوات نظير خالد بن الوليد في أيامه، وفي كثرة مغازيه، وكثرة فتوحه، وقوة عزمه، وشدة بأسه، وجودة تصرفه في نقضه وإبرامه، وهذا مع الكرم والفصاحة (٣)، ويقول عنه صاحب العقد الفريد: ولم يكن لعبد الملك ابن أسد رأيا، ولا أزكي عقلا، ولا أشجع قلبا، ولا أسمع نفسا، ولا أسخى كفا من مسلمة (٤).
ولذلك أوصى عبد الملك بن مروان أولاده، وفيهم مسلمة، فكان مما قاله لهم عنه: يا بني، أخوكم
_________________
(١) سنن الترمذي فضائل الجهاد (١٦٥٢)، سنن النسائي الزكاة (٢٥٦٩)، موطأ مالك الجهاد (٩٧٦)، سنن الدارمي الجهاد (٢٣٩٥).
(٢) المرجع السابق
(٣) البداية والنهاية ج٩ص٣٢٨و٣٢٩
(٤) العقد الفريد، ج٧ ص١٤٥
[ ١ / ١٣٨ ]
مسلمة، نابكم الذي تفترون عنه، ومجنكم الذي تستجنون به، أصدروا عن رأيه (١).
ومع أن إخوة لمسلمة تولوا الخلافة دونه، ظل هو بينهم النجم المتألق الثاقب بجهاده وكفاحه، وقال عنه مؤرخ الإسلام الذهبي: كان مسلمة أولى بالخلافة من إخوته. وليست العبرة بالمناصب والمراتب، ولكنها بالإرادة والعزيمة، والإقدام، وعمق التفكير، وحسن الخلق.
وكانوا يلقبون مسلمة بلقب الجرادة الصفراء، لأنه كان متحليا بالشجاعة والإقدام، مع الرأي والدهاء؛ ومع أنه تولى إمارة أذربيجان وأرمينية أكثر من مرة وإمارة العراقين (٢)، ظل يواصل الجهاد، ويتابع المعارك، منذ تولى والده الخلافة سنة خمس وستين وظل مسلمة على هذه الروح البطولية حتى لحق بربه سنة إحدى وعشرين ومائة.
* * *
_________________
(١) مروج الذهب للمسعودي ج٣ص١٦١
(٢) العبر ج١ص١٥٤
[ ١ / ١٣٩ ]