معنى هذا باختصار
أولا: أن ظاهرة الدين والتدين ظاهرة عامة تشترك فيها كل الجماعات البشرية على مدى تاريخها الطويل،
[ ١ / ٥٢ ]
وعلى اختلاف ما بينها من بداوة وحضارة، وتخلف وارتقاء.
ثانيا: أن مبعث هذه الظاهرة، إحساس كل فرد في جماعة بأن هناك قدرة أو قدرا تتصرف فيه وفيما حوله تصرفا يلفت النظر ويبهر العقل، فيستشعر من نفسه ميلا قويا لمعرفة مصدر هذه القدرة التي لها عليه وعلى غيره هذا الأثر العجيب.
ثالثا: أن العقول حينما تبحث عن الحقيقة دون أن يكون لها مدد من السماء، لا يمكن أن تتفق على شيء واحد تؤمن به وتخضع له، وإنما تتشعب بها السبل، فإذا هي مختلفة في ذلك اختلافا كبيرا:
هناك عقول مشت على فطرتها فوصلت إلى معرفة الله، وهناك عقول مشت على غير فطرتها فنظرت نظرة ساذجة إلى ما حولها من مصادر القوة والتأثير فيها أو فيما يحيط بها، فإذا بجماعة تعبد الشمس وأخرى تعبد القمر، وثالثة تعبد النار، ورابعة تعبد الشجر، وخامسة تعبد البقر. . وغير هؤلاء كثيرون يعبدون آلهة شتى، وكلها مخلوقات لله، لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا.
رابعا: أن هذه العقول التي وصلت بفطرتها إلى الحقيقة الحقة وهي الله، لا تستطيع - مهما سمت وارتقت - أن تستقل استقلالا تاما بمعرفة كل ما يتصل بالله، وما غيبه عنها من عالم الآخرة التي نوقن أنه نهاية المطاف بعد هذه الحياة الدنيا، كما أنها لا تستقل بمعرفة الخير والشر، وما يجب أن يلتزم به الإنسان في حياته الدنيا: من عبادات، ومعاملات، وأخلاق، حتى لا يضل ولا يشقى.
خامسا: لما تقدم، اقتضت حكمة الله - تعالى - ورحمته بعباده، أن يرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين، يدعونهم إلى الدين الحق، وإلى الطريق المستقيم.
هؤلاء الرسل بالنسبة لأممهم - كما يقول الأستاذ الإمام - بمنزلة العقول من الأشخاص (١)، وأزيد على هذا فأقول: إنها العقول الهادية التي لا تضل، والواعية التي لا تغفل، لأنها عقول أعدها الله وهيأها لتخليص البشرية من أباطيلها وأوهامها، وإنقاذها من شرورها وآثامها، وهدايتها إلى ما فيه خيرها وسعادتها.
* * *
ولكن على أية صورة بدأت العقيدة الدينية؟ هل بدأت ساذجة فكانت خرافة ووثنية؟ أو بدأت واعية مدركة للحقيقة الإلهية؟
لقد افترق الباحثون في تاريخ الأديان في ذلك إلى فريقين:
_________________
(١) رسالة التوحيد ص ٩١.
[ ١ / ٥٣ ]
* فريق منهم " يذهب إلى أن الدين بدأ في صورة الخرافة والوثنية، وأن الإنسان أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إلى الكمال فيه بالتوحيد، كما تدرج نحو الكمال في علومه وصناعته.
هذه النظرية نادى بها أنصار مذهب (التطور التقدمي أو التصاعدي) الذي ساد في أوربا في القرن التاسع عشر في أكثر من فرع من فروع العلوم، وحاول تطبيقه على تاريخ الأديان عدد من العلماء (١) ".
* وفريق آخر " يقرر بالطرق العلمية بطلان هذا المذهب، ويثبت بالعكس أن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشر، مستدلا بأنها لم تنفك عنها أمة من الأمم في القديم والحديث، فتكون الوثنيات إن هي إلا أعراض طارئة، أو أمراض متطفلة بجانب هذه العقيدة العالمية الخالدة.
وهذه هي نظرية (فطرية التوحيد وأصالته) التي انتصر لها جمهور من علماء الأجناس، وعلماء الإنسان، وعلم النفس (٢) ". ولا نريد أن نطيل بذكر مناقشة هذا المذهب أو ذاك، فقد تولى هذه المناقشة أستاذنا الفاضل المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (الدين) ص١٠٣ - ١٠٨ بأسلوب شيق ومنطق بارع. وكلمة الفصل في هذا الموضوع هي قوله في نهاية المطاف:
" هكذا عجزت وسائل العلوم أن تقدم لنا بيانا شافيا يطمئن إليه القلب عن ديانة الإنسان الأول.
أما من أحب أن يسترشد بنصوص الكتب السماوية، فإنه سوف يجد فيها ما يشد أزر القائلين بأولية العقيدة الإلهية الصحيحة، لا في الغريزة فحسب ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٣) بل في التطور الزماني كذلك، فهذه النصوص تنادي بأن الناس بدأوا حياتهم مستقيمين على الحق، مؤتلفين عليه، وأن الانحراف والاختلاف إنما جاء عرضا طارئا بعد ذلك ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ (٤)، وأن استمرار هذا الاختلاف واتساع شقته إنما كان بتأثير الوراثة، وتلقين كل جيل عقيدته للناشئين فيه «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (٥)» إلى ذلك كله فإن الكتب السماوية متفقة على أن الجماعة الإنسانية الأولى لم تترك وشأنها، تستلهم غرائزها وحدها بغير مرشد ومذكر، بل تعهدتها السماء بنور الوحي من أول يوم، فكان أبو البشر هو أول الأفذاذ الملهمين، وأول المؤمنين الموحدين، وأول المتضرعين الأوابين (٦).
* * *
_________________
(١) الدين للدكتور محمد عبد الله دراز ص ١٠٢.
(٢) المرجع السابق.
(٣) سورة الروم الآية ٣٠
(٤) سورة يونس الآية ١٩
(٥) صحيح البخاري في كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين جـ٣ ص ٤٩١.
(٦) الدين للدكتور محمد عبد الله دراز ص ١٠٨.
[ ١ / ٥٤ ]
وإذا كانت النتيجة هي أن الديانات السماوية هي الأصل، وأن لها السبق في الوجود الديني، وأن ما اعتراها من شوب أو خلل وما زاحمها من ديانات وضعية باطلة، إنما هو محض شذوذ وانحراف صدر عن فئات ضالة مضلة. . إذا كانت النتيجة هي هذا، فلنا أن نتساءل:
هل بدأت هذه الديانات السماوية واستمرت تتنزل ديانة إثر ديانة على نمط واحد، ثم انتهت وهي على هذا النمط دون تغير ولا تطور؟
أو أنها بدأت على نمط خاص، ثم تطورت إلى أنماط مختلفة، ثم انتهت بنمط آخر هو نسيج وحده؟
الواقع أن الأديان السماوية كلها جاءت متفقة ومختلفة: متفقة في أصولها، مختلفة في فروعها، كلها يتفق على الجوهر والحقيقة. . على أصول العقيدة، وأصول الشريعة: فهي جميعا تدعو إلى الإيمان بالله وحده، والإيمان بكل ما جاء عنه، والأخذ بكل ما يصل بالإنسان إلى الخير ويباعد بينه وبين الشر.
والقرآن الكريم يصرح بوحدة الديانات السماوية كلها في الأصل والجوهر، فيقول:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١).
أما فروع الشرائع وتفاصيلها، وسورها وطقوسها، فتختلف فيها الديانات السماوية اختلافا ظاهرا.
فمثلا فريضة الصلاة، جاءت بها كل الشرائع السماوية، ولكنها تختلف صورها من شريعة إلى شريعة: فهي في الشريعة الإسلامية قيام، وقراءة، وركوع، وسجود على كيفية معروفة، وفي الشريعة المسيحية ترانيم وتراتيل تتلى على هيئة خاصة.
ومثلا فريضة الصيام: جاءت بها كل الشرائع السماوية، كما يصرح بذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ (٢)، ولكنها تختلف صورتها من شريعة إلى شريعة، فالصوم في الشريعة الإسلامية: إمساك عن الطعام والشراب والنساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وفي الشريعة المسيحية: إمساك عن أكل كل ذي روح من الحيوان وما يتولد منه في وقت معين. . . .
وهكذا تختلف الشرائع السماوية في أمور كثيرة كلها فرعية غير أصلية وذلك في الحقيقة - كما أوضحناه - اختلاف في الأسلوب والمنهج لا في الجوهر والهدف، وقد جاء ذلك صريحا في قوله تعالى:
_________________
(١) سورة الشورى الآية ١٣
(٢) سورة البقرة الآية ١٨٣
[ ١ / ٥٥ ]
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١).
أما لماذا اتحدت الشرائع السماوية في أصولها واختلفت في فروعها؟ فذلك لأن الأصول ثابتة لا تتغير بحال من الأحوال، فالله - سبحانه - هو الله بذاته وصفاته لا يتغير ولا يتحول أبدا، والرسل - في كل أمة - هم الرسل بما يجب لهم وما يجوز في حقهم، والكتب المنزلة - على مدى تاريخ الرسالات - هي الكتب المنزلة بما لها من قداسة وتعظيم، وكل ما جاء عن الله حق ثابت، وصدق لا ينقض، وأصول الأخلاق، والعبادات، والمعاملات، أدب متبع وطاعة ملتزمة، ولا يحيد عن ذلك إلا ضال هالك.
أما الفروع: فهي التي يعتريها التغير والتبديل، ويتناولها التعديل والتطوير، لأنها ليست أكثر من تطبيق للأصول في صور شتى، ولا بد لهذه الصور أن تختلف تبعا لاختلاف أحوال المكلفين واستعدادهم، وما يحيط بهم من عوامل وظروف كثيرا ما يكون لها دخل في التكاليف: فما يصلح لزمان قد لا يصلح لزمان آخر، وما يلائم طبيعة قوم قد لا يلائم طبيعة قوم آخرين.
وإذا نحن تتبعنا الأطوار التي مرت بها البشرية في مراحلها المختلفة، نجد أنها أشبه ما تكون بالأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته، فهو يبدأ بمرحلة الطفولة، ثم يتدرج في مراحل أخرى، ينمو فيها جسمه وعقله حتى يصل إلى مرحلة الرجولة الكاملة والنضج التام.
والبشرية في أول مراحلها بدأت كالطفل: فيها ما فيه من الضعف وعدم الاحتمال، فكان لا بد لها في هذه المرحلة من غذاء روحي يتناسب مع طبيعتها وقدرتها على تقبل هذا الغذاء وهضمه، ثم هي بعد ذلك تمر - متدرجة في مراتب الكمال - بمراحل متتابعة كل مرحلة تزيد فيها عن سابقتها نموا وقدرة وتقبلا، وهي في كل مرحلة من هذه المراحل تحتاج إلى نوع من الغذاء الروحي يتناسب مع ما هي عليه من درجة النمو والقدرة والتقبل. . . وأخيرا تبلغ البشرية تمام نضجها وغاية رشدها فتحتاج في هذه المرحلة الأخيرة إلى غذاء روحي يلائمها كما ونضجا.
هذا الغذاء الروحي الذي أمد الله به البشرية في أطوارها ومراحلها المختلفة هو الدين، وحملة هذا الدين إلى البشرية هم الأنبياء والمرسلون، ومجموعة هذه الرسل - كما صورهم الرسول محمد ﷺ في حديث له - بناة بيت واحد يؤسس سابقهم للاحقهم، ويشيد لاحقهم على أساس سابقهم (٢) ". .
صورهم الرسول ﷺ بهذا في حديث له فقال: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة. قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين (٣)».
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٤٨
(٢) الإسلام عقيدة وشريعة للمرحوم الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ص ٣٧.
(٣) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٥٦ ]
ومعنى هذا: أن الديانات السماوية تكون في مجموعها صرحا واحدا، اشترك الأنبياء جميعا في بنائه، فما من نبي بعث إلا وقد وضع فيه لبنة، حتى إذا شارف البنيان النهاية ولم يبق منه إلا موضع لبنة بها يتم صلاحه ويكمل حسنه، بعث الله نبيه محمدا ﷺ مبشرا بالإسلام وداعيا له، فكان -﵊- بما جاء به من الدين الإسلامي - اللبنة المتممة للبناء، المكملة لحسنه وجماله، وبه أتم الله صرح الديانات التي تعاقبت جيلا بعد جيل.
* * *
وهكذا شاءت حكمة الله تعالى أن يرسل نبيه محمدا ﷺ بدين أعلى ما يكون هداية وإرشادا، وأسمى ما يكون تشريعا وتبصيرا، وختم الله برسالة محمد ﷺ الرسالات، وجعلها للناس كافة ولم تكن لقومه خاصة.
ولكن لم كانت رسالة محمد هي خاتم الرسالات؟ ولم كانت للناس كافة ولم تكن لقومه خاصة؟. . نجيب على ذلك فنقول:
أما لم كانت رسالة محمد ﷺ خاتم الرسالات؟
فذلك أمر بدهي وطبعي، فما دمنا قد عرفنا أن الإسلام قد بلغ الغاية في هدايته وتشريعه، ضرورة أنه جاء لإسعاد البشرية في أرقى مراحلها وأوج كمالها، فأي شئ يرجى للبشرية بعد ذلك؟. . .
أي شئ يرجى لها بعد الكمال الذي لا كمال بعده؟. . . لا شيء إلا أن تمشي البشرية معتصمة به إلى نهايتها إذ ليس بعد الكمال غاية، ولا بعد بلوغ المنتهى نهاية، والله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (١).
وفي تقرير أن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين يقول الله ﷿: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين﴾ (٢). ويقول -﵊-: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي (٣)».
وأما لم كانت رسالة محمد ﷺ للناس كافة، بل وللإنس والجن جميعا؟ فذلك لعدة أمور:
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٣
(٢) سورة الأحزاب الآية ٤٠
(٣) رواه الإمام أحمد بسنده إلى أنس بن مالك ﵁.
[ ١ / ٥٧ ]
أولا:
أن الإسلام جاء دينا وسطا بين غيره من الأديان السماوية، فيه من كل دين أيسره وأحسنه، وأكثره ملائمة وتمشيا مع الطبائع المختلفة لبني الإنسان، فمثلا عقوبة القتل العمد في الشريعة اليهودية القصاص ولا بد، وفي الشريعة المسيحية العفو، وأكاد أقول ولا بد، فجاءت شريعة الإسلام تخير ولي الدم بين القصاص والعفو، وكان هذا أمرا وسطا، يتمشى مع الطبائع المختلفة: فمن طبائع الناس طبائع لا يشفي غلها إلا القصاص، ومنها طبائع هينة لينة، تميل إلى التسامح وتأخذ بالعفو، وفي شريعة الإسلام ما يساير طبيعة هؤلاء وأولئك.
ومثلا: الزواج، أطلقته الشريعة اليهودية، ولم تقيده التوراة بعدد معين من النساء، وقصرته الشريعة المسيحية على امرأة واحدة، لأن الأصل فيها هو التبتل، فإذا كان ولا بد فزوجة واحدة تكفي.
أما الشريعة الإسلامية، فقد جاءت بتشريع وسط بين هذا وذاك، تشريع يرضي رغبة من يريد التعدد، ولكن بحدود وقيود، فأباحت له أن يجمع بين أربع زوجات ولا يزيد، بشرط أن يعدل بينهن ولا يجور، وقصرت من لا يأمن على نفسه الجور على زوجة واحدة فقط.
ولقد يشهد لوسطية الإسلام في تشريعه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١) وقوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس﴾ (٢) مع ما استقر في العقول من أن خير الأمور أوسطها.
ثانيا:
أن البشرية - كما قلنا - قد بلغت رشدها فأصبحت تقاد بالعقل وحده، ولم يعد ينفع معها مجرد الخوارق والقوارع الملجئة أو شبه الملجئة، فجاء الإسلام دينا منطقيا، رفع من قيمة العقل، وأعطى للإنسان الحرية التامة في التأمل والتدبر في كل ما يكلف به، فلا يؤمن بعقيدة يدعى إليها إلا بعد ترو واقتناع، ولا يتبع تشريعا يشرع له إلا بعد نظر يهديه إلى سلامة التشريع واستناده إلى المنطق السليم والدليل القويم، ثم هو بعد ذلك يذم التقليد وينعي على المقلدين لآبائهم وأحبارهم ورهبانهم، فيقول عز من قائل:
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٤٣
(٢) سورة آل عمران الآية ١١٠
[ ١ / ٥٨ ]
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١) ويقول عن بعض أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه﴾ (٢) ولا يعني باتخاذهم أربابا إلا طاعتهم طاعة عمياء والتسليم لهم في كل ما يأمرونهم به ويوجهونهم إليه، فكأنهم - في نظرهم - آلهة تأمر فتطاع، لأنها تصيب دائما ولا تخطئ.
وليس من شك في أن دينا هذا شأنه وذلك منهجه، يصلح لكل جيل وقبيل من لدن نزوله وإلى أن تقوم الساعة.
ثالثا:
أن الدين الإسلامي دين واسع الأفق، وفيه من المرونة واليسر ما يجعله صالحا لكل الجامعات الإنسانية على اختلاف ألوانها، وأجناسها وبيئتها، وظروفها " فهو يتسع للحرية الفكرية العاقلة، ولا يقف - فيما وراء عقائده الأصلية وأصول تشريعه - على لون واحد من التفكير، أو منهج واحد من التشريع، وهو بتلك الحرية يساير جميع أنواع الثقافات الصحية، والحضارات النافعة، التي يتفتق عنها العقل البشري في صلاح البشرية وتقدمها مهما ارتقى العقل ونمت الحياة " (٣).
وعلى الجملة فالإسلام - كما يقول أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة - " دين العقل، فما من أمر جاء به إلا كان موافقا للعقل يدركه ويصدقه. . سئل أعرابي: لماذا آمنت بمحمد؟ فقال: ما رأيت محمدا يقول في أمر: افعل، والعقل يقول: لا تفعل، وما رأيت محمدا يقول في أمر: لا تفعل، والعقل يقول: افعل. . . وإن النظم التي سنها الإسلام لا تزال برونقها وصفائها أعدل من كل ما اهتدى إليه العقل البشري من نظم، سواء أكان ذلك في نظام الحكم، أم في نظام المال، أم في نظام الأسرة. . . فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يصلح لحكم الإنسانية، وفيه علاج أدوائها (٤) ".
ومما يشهد للدين الإسلامي بأنه دين عام للثقلين جميعا قوله تعالى مخاطبا نبيه محمدا -﵊-: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٦). وقوله على لسان نبيه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ﴾ (٧).
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٧٠
(٢) سورة التوبة الآية ٣١
(٣) الإسلام عقيدة وشريعة ص ١١ مع تصرف يسير في عبارة الأصل.
(٤) المجتمع الإنساني في ظل الإسلام للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة.
(٥) سورة الأعراف الآية ١٥٨
(٦) سورة سبأ الآية ٢٨
(٧) سورة الأنعام الآية ١٩
[ ١ / ٥٩ ]
هذا، ولا ينبغي أن يفهم بحال من الأحوال، أن قولنا عن الإسلام: إنه أرقى الأديان السماوية وأسماها، وأكملها وأوفاها، وأن تشريعاته وتوجيهاته قد بلغت القمة التي لم تبلغها شريعة من قبل، فيه انتقاص لغيره من الشرائع السماوية، معاذ الله أن يكون ذلك قصدنا، فليس مؤمنا ولا مسلما من ينتقص شريعة سماوية أنزلها الله على رسول من رسله، الله تعالى: يخاطب أمة محمد ﷺ بقوله:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ويقول مثنيا على رسوله محمد ﷺ وعلى من اتبعه من المؤمنين:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢).
والذي يجب أن يفهم: هو أن كل شريعة من الشرائع السماوية تعتبر في وقتها - بالنسبة لأتباعها - في منتهى الكمال؛ لأنه لا يصدر عن الله تعالى إلا الكمال المطلق، ولأن كل شريعة - كما قلنا - جاءت مطابقة لحاجات المخاطبين بها، ولو أنها انحطت عن مستواها، لعد ذلك قصورا فيها، لأنها تكون دون الحاجة، كما أنها لو ارتفعت إلى مستوى شريعة تجيء بعدها لعد ذلك مجافيا للحكمة والصواب، لأنها تكون فوق الحاجة، والحكمة كل الحكمة هو الملاءمة بين احتياجات كل أمة وما يشرع لها، كما يلائم الطبيب الماهر بين علة المريض وما يصف له من دواء.
* * *
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٣٦
(٢) سورة البقرة الآية ٢٨٥
[ ١ / ٦٠ ]