والإفتاء: منصب عظيم، به يتصدى صاحبه لتوضيح ما يغمض على العامة من أمور دينهم، ويرشدهم إلى المناهج المستقيمة، التي في سلوكهم لها فلاحهم ونجاحهم، ولهذا سموا أولي الأمر، وأمر الناس بطاعتهم بل قرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله (ﷺ) حيث يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١).
بل هو المنصب الذي تولاه الله (سبحانه) بنفسه حيث يقول (تعالى): ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ (٢)، ويقول أيضا: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٣)، وكفى بهذا المنصب عظما وجلالة أن يتولاه رب السماوات والأرض، وكفى بمن يتولاه شرفا ومنزلة عالية أن يكون نائبا عن الله في هذا المنصب (٤) والمفتي - أيضا - قائم مقام النبي (ﷺ) في وراثته لعلم الشريعة منه (ﷺ)، وإبلاغها للناس، وتعليمها للجاهل بها، والإنذار بها.
فأما قيامه مقامه (ﷺ) في وراثة الشريعة، فيدل له قوله (ﷺ) فيما رواه عنه أبو داود والترمذي بسنديهما: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم (٥)»، وما رواه عنه البخاري ومسلم بسنديهما: «بينا أنا نائم، أتيت بقدح من لبن فشربت حتى أني لأرى الري يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم (٦)»، وقال الله (تعالى):
_________________
(١) سورة النساء الآية ٥٩
(٢) سورة النساء الآية ١٢٧
(٣) سورة النساء الآية ١٧٦
(٤) ابن القيم، أعلام الموقعين ١/ ١١
(٥) سنن أبو داود العلم (٣٦٤١)، سنن الدارمي المقدمة (٣٤٢).
(٦) صحيح البخاري العلم (٨٢)، صحيح مسلم فضائل الصحابة (٢٣٩١)، سنن الترمذي الرؤيا (٢٢٨٤)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٤٧)، سنن الدارمي الرؤيا (٢١٥٤).
[ ١ / ١٦١ ]
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (١).
وأما قيامه مقامه (ﷺ) في إبلاغها للناس، وتعليمها للجاهل، فيدل له قوله (ﷺ) فيما رواه البخاري بسنده: «ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب (٢)»، وما رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي أنه (ﷺ) قال: «بلغوا عني ولو آية (٣)»، وما رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عباس، أن النبي (ﷺ) قال: «تسمعون، ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم (٤)».
وأما قيامه مقامه (ﷺ) في الإنذار بها، فيدل له قول الله (تعالى): ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ (٥) مع قوله (تعالى): ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (٦).
وبهذا يتضح لنا ما للمفتي في الشريعة الإسلامية من منزلة عظمى، حيث كان يتبوأ مقام النبي (ﷺ) فيما قدمناه من أمور، ويخبر عن الله (سبحانه)، ويوقع شريعته على أفعال المكلفين (٧).
* * *
_________________
(١) سورة التوبة الآية ١٢٢
(٢) صحيح البخاري العلم (١٠٥)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (١٦٧٩)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٣٧).
(٣) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (٣٤٦١)، سنن الترمذي العلم (٢٦٦٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٥٩)، سنن الدارمي المقدمة (٥٤٢).
(٤) سنن أبو داود العلم (٣٦٥٩)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٣٢١).
(٥) سورة هود الآية ١٢
(٦) سورة التوبة الآية ١٢٢
(٧) ينظر الشاطبي، الموافقات، ت عبد الله دراز، مصر، المطبعة الرحمانية، ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٦.
[ ١ / ١٦٢ ]