ولد هذا المصلح عام ١١١٥ هـ - ١٧٠٣ م في بلدة العيينة وفي قلب الجزيرة العربية من بيت علم محافظ متمسك، وترعرع في أحضان العلم حيث كان أبوه وجده علمين من أعلام زمانهما، وارتشف من
[ ١ / ١٤٧ ]
مناهل العلم على والده ثم سعى إلى طلب المعرفة في الحجاز والعراق وبلغ من طموحه أن فكر في التطواف في البلاد رغبة في الكشف عن معالم الحقيقة، ولكن إمكانياته وقفت به عند هذا الحد، وقد حصل على رصيد كبير في علوم الدين وما يتصل بها من علوم اللغة العربية، مما هيأه للاضطلاع بمهمة الزعامة الدينية والقيام بواجب المصلح، الذي ينير السبيل ويهدي إلى النور ويحمل على الرجعية، ويصلح ما أفسده تقادم العهد على شريعة السماء، التي جاء بها رسول الإنسانية محمد - ﷺ - ويبعد عنها الزيف. ويبرزها واضحة المعالم، وإن المصلحين والمجددين في كل زمان ومكان كثيرا ما يصطدمون - بأطماع المغرضين وأصحاب النزوات الطائشة الذين يكرهون الحد من أطماعهم ونزواتهم فيحتالون بكل الوسائل لإحباط مجهود المصلحين وإيقاف حملة الإنقاذ التي يقودها المجددون، وقد لقي مصلح القرن الثاني عشر من العنت والإرهاق والتضييق ومصادرة الحرية، لقي من ذلك كله الشيء الكثير فصبر وجالد شأن كل مؤمن بمبدئه مقتنع بسلامة قضيته وصحة نظرياته.
لقد خشي خصوم المصلح من امتداد مبادئه وذلك طبيعي ومنطقي أيضا إذ أن البقاء للأصلح فجندوا له كل الإمكانيات للقضاء عليه حتى رموه بالأطماع السياسية ليوغروا الصدور عليه في داخل الجزيرة وخارجها ولدى سلاطين الدولة العثمانية، ووصفوا دعوته (بالوهابية) إمعانا في التنفير منها لاعتبارها خارجة على تعاليم الإسلام ونظريات أئمة المذاهب الإسلامية المجتهدين.
وفي ظروف غير اعتيادية، وتحت تأثير سلسلة من الاضطهادات المتعاقبة قرر المصلح النزوح إلى بلدة الدرعية عاصمة ملك آل سعود شمال الرياض (العاصمة الحالية للمملكة العربية السعودية) وتعاقد المصلح مع أميرها محمد بن سعود على نشر تعاليمه التي هي في الواقع تعاليم الإسلام الصحيح، وكان للأمير محمد ولأولاده من بعده مع المصلح وأبنائه وأحفاده مواقف حميدة اتسع بها نطاق الإصلاح حيث تضامن السيف مع الكتاب لإظهار الحق تحت ظلال علم الدولة الأخضر الذي يحمل شعار الإسلام وكلمة الإسلام.
* * *
لا إله إلا الله محمد رسول الله: هذا الشعار في هذا العلم البارز الخفاق اجتذب إليه القلوب ونبه الوعي الإسلامي فأدرك بعد طول سبات أن هذا الصوت المدوي المنبعث من قلب الجزيرة مهد الفطرة هو صوت الحرية، صوت النذير باضمحلال سحب الباطل، صوت التحرير يقود حملته مصلح الجزيرة في القرن الثاني عشر الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ومات المصلح سنة١٢٠٦ هـ - ١٧٨٧ م - بعد أن قرت عينه بانتشار تعاليمه إلى أبعد مدى أمكن أن تنتشر إليه في الجزيرة وبعد أن خلفه من ذريته من حمل على عاتقه القيام بالدعوة إلى مبادئه التي هي في الواقع مبادئ
[ ١ / ١٤٨ ]
أفضل شريعة جاءت من السماء عن طريق منقذ البشرية محمد ﷺ. والذي بشرت به الكتب السماوية.
ومات قبل المصلح رأس الدولة السعودية الأولى محمد بن سعود - رحمه الله تعالى - ولكن سيفه لم يزل مسلولا - بيد أبنائه من بعده يناصرون به الحركة الإصلاحية الدينية ويعاضدون خلفاء المصلح حتى الوقت الحاضر.
[ ١ / ١٤٩ ]