السؤال الثاني: إذا كان عيسى ﵇ حيا فهل سينزل آخر الزمان ويحكم بين الناس ويتبع في ذلك دين محمد ﷺ، وما الدليل؟ وبم نرد على من زعم أن عيسى لن يبعث آخر الزمان، ولن يحكم بين الناس؟
الجواب: نعم سينزل نبي الله عيسى ابن مريم آخر الزمان، ويحكم بين الناس بالعدل متبعا في ذلك شريعة نبينا محمد ﵊، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، وسيؤمن به أهل الكتاب اليهود والنصارى جميعا قبل موته بعد أن ينزل آخر الزمان، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١).
فأخبر تعالى بأن جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى سوف يؤمنون بعيسى ابن مريم ﵇ قبل موته- أي موت عيسى - وذلك عند نزوله آخر الزمان حكما عدلا داعيا إلى الإسلام، كما سيجيء بيانه في الحديث الدال على نزوله.
وهذا المعنى هو المتعين، فإن الكلام سبق لبيان موقف اليهود من عيسى وصنيعهم معه ﵊، ولبيان سنة الله في إنجازه وكيد أعدائه، فيتعين رجوع الضميرين المجرورين إلى عيسى ﵇؛ رعاية لسياق الكلام، وتوحيدا لمرجع الضميرين، وثبت في أحاديث كثيرة صحيحة من طرق متعددة بلغت مبلغ التواتر أن الله تعالى رفع عيسى إلى السماء، وأنه سينزل آخر الزمان حكما عدلا، وأنه سيقتل المسيح الدجال.
قال ابن تيمية بعد أن ذكر أحاديث رفع عيسى ﵇ ونزوله آخر الزمان من طرق كثيرة: فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص وأبي أمامة والنواس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص وسجع بن جارية وحذيفة بن أسيد ﵃، ومنها دلالة على صفة نزوله ومكانه. . . إلخ اهـ.
ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي
_________________
(١) سورة النساء الآية ١٥٩
[ ١٢ / ١٠٨ ]
بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد (١)»، قال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (٢) الآية. وفي رواية عنه أن النبي ﷺ قال: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم (٣)»، وثبت في الصحيح أيضا أن جابر بن عبد الله رضي عنهما سمع النبي ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله لهذه الأمة (٤)». . .
فدلت الأحاديث على نزوله آخر الزمان، وعلى أنه يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ، وعلى أن إمام هذه الأمة في الصلاة وغيرها أيام نزوله من هذه الأمة لا مجال فيها للشك، وليس هناك منافاة بين نزوله وبين ختم النبوة بنبينا محمد ﷺ، حيث لم يأت عيسى ﵇ بشريعة جديدة ولله الحكم أولا آخرا، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكه وهو العزيز الحكيم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز
_________________
(١) صحيح البخاري البيوع (٢٢٢٢)، صحيح مسلم الإيمان (١٥٥)، سنن الترمذي الفتن (٢٢٣٣)، سنن أبو داود الملاحم (٤٣٢٤)، سنن ابن ماجه الفتن (٤٠٧٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٧٢).
(٢) سورة النساء الآية ١٥٩
(٣) صحيح مسلم الإيمان (١٥٥، ٨)، سنن الترمذي الإيمان (٢٦١٠)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٤٩٩٠)، سنن أبو داود السنة (٤٦٩٥)، سنن ابن ماجه المقدمة (٦٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٥٢)، باقي مسند المكثرين (٢/ ٣٣٦).
(٤) صحيح مسلم الإيمان (١٥٦)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٨٤).
[ ١٢ / ١٠٩ ]