الجواب: سمي عيسى ابن مريم بالمسيح؛ لأنه ما مسح على ذي عاهة إلا برئ بإذن الله.
وقال بعض السلف: سمي مسيحا لمسحه الأرض، وكثرة سياحته فيها للدعوة إلى الدين.
وعلى هذين القولين يكون المسيح بمعنى ماسح، وقيل: سمي مسيحا؛ لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص له، وقيل: لأنه مسح بالبركة، أو طهر من الذنوب فكان مباركا، وعلى هذين القولين يكون مسيح ممسوح والأظهر الأول، والله أعلم.
وعلى كل حال لا يتعلق بذلك عقيدة ولا عمل فالجدوى في ذلك ضعيفة أو معدومة.
مع هذه الأسئلة نصوص يستدل بها القاديانيون على موت عيسى ودفنه، أرجو بيان تلك النصوص وكيف نرد عليهم؟
الآية الأولى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (١).
الجواب: القصد من هذه الآية الرد على من قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٢)، ومن قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٣) ببيان أن عيسى المسيح ﵇ ليس ربا ولا إلها يعبد،
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٧٥
(٢) سورة المائدة الآية ٧٢
(٣) سورة المائدة الآية ٧٣
[ ١٢ / ١١٠ ]
بل رسول كرمه الله بالرسالة، شأنه شأن الرسل الذين مضوا من قبله أجله محدود، لكن لم تبين هذه الآية متى يموت، وقد بينت الأدلة الماضية من الكتاب والسنة أنه رفع حيا، وأنه سينزل حكما عدلا، ثم يموت بعد نزوله آخر الزمان وحكمه بين الناس، ثم ذكر تعالى أن عيسى وأمه ﵉ كانا يأكلان الطعام، فدل بذلك على أنهما ليسا إلهين مع الله؛ لشدة حاجتهما إلى ما يحفظ عليهما حياتهما من الطعام، والله تعالى فرد صمد له الغنى المطلق يحتاج إليه كل ما عداه، ولا يحتاج هو إلى أحد سواه.
يؤيد أن المراد بالآية ما ذكر سابقها ولاحقها من الآيات فقد سبقها آية: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (١) وآية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٢) وقد ذكر بعدها النهي عن الغلو في الدين وإنكار عبادة غير الله، ولعن من فعل ذلك أو سكت عنه ولم ينكره، ويوضح ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ (٣).
الآية الثانية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٤).
الجواب: القصد من الآية الرد على من كفر برسالة محمد ﷺ؛ لزعمه أن الرسول إنما يكون من الملائكة لا من البشر، فرد الله عليهم زعمهم ببيان أن سنة الله سبحانه في إرسال الرسل إلى البشر أن يصطفيهم من البشر، وأنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، شأنهم في ذلك شأن البشر، وليس في الآية تحديد لأجل عيسى ﵇، وقد بينت الآيات الأخرى والأحاديث رفعه حيا ثم نزوله وحكمه بعد نزوله آخر الزمان، ثم موته كما تقدم.
الآية الثالثة: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (٥).
الجواب: ليس في هذه الآية أي دلالة على موت عيسى ﵇ حينما تآمر اليهود على قتله وصلبه، وإنما فيها الدلالة على أن الأنبياء والمرسلين ومنهم عيسى، ليسوا أجسادا لا تأكل
_________________
(١) سورة المائدة الآية ١٧
(٢) سورة المائدة الآية ٧٣
(٣) سورة الأنعام الآية ١٤
(٤) سورة الفرقان الآية ٢٠
(٥) سورة الأنبياء الآية ٨
[ ١٢ / ١١١ ]
بل يأكلون كما يأكل الناس، وفيها الحكم بأنهم لا يخلدون في الدنيا، وأهل السنة يؤمنون بذلك، وأن عيسى كغيره من المرسلين يأتي عليه الموت كغيره، إلا أن الكتاب والسنة دلا على أن ذلك بالنسبة له لا يكون إلا بعد نزوله من السماء حكما عدلا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير كما تقدم.
الآية الرابعة: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (١).
الجواب: هذه الجملة وإن كانت عامة، إلا أنها خصصت بالآيات والمعجزات التي أجراها الله على أيدي رسله، وكانت حجة لهم على أممهم في إثبات الرسالة، كانفلاق البحر لموسى اثني عشر طريقا يبسا بضربة عصا، وكإبراء عيسى الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى بإذن الله، إلى غير هذا مما هو كثير معلوم، فرفع عيسى حيا وإبقاؤه قرونا ونزوله بعد ذلك مما استثني من هذا العموم كغيره من خوارق العادات التي هي سنة الله مع رسله، ولا غرابة في ذلك.
الآية الخامسة: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢).
الجواب: هذه الآية تثبت العبودية لعيسى ﵇، وأن الله أنعم عليه بالرسالة، وليس ربا ولا إلها، وأنه آية على كمال قدرة الله، ومثل أعلى في الخير يقتدى به ويهتدى بهديه فهي شبيهة في مغزاها بالآية الأولى، وليس فيها أي دلالة على تحديد لأجل عيسى ﵇، وإنما يؤخذ بيان ذلك وتحديده من نصوص أخرى كما تقدم.
الآية السادسة: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣).
الجواب: جاء في صدر الآية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٤)، فكان قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٥) ردا على زعمهم أن عيسى ﵇ هو الله، ببيان أن عيسى وأمه عبدان ضعيفان كسائر خلق الله، لو شاء الله أن يهلكه وأمه ومن في
_________________
(١) سورة الأحزاب الآية ٦٢
(٢) سورة الزخرف الآية ٥٩
(٣) سورة المائدة الآية ١٧
(٤) سورة المائدة الآية ٧٢
(٥) سورة المائدة الآية ١٧
[ ١٢ / ١١٢ ]
الأرض جميعا من المخلوقات لفعل، ولكنه لم يعمهم بالهلاك بل أجرى فيهم سنته بالإهلاك في مواقيت محدودة اقتضتها حكمته سبحانه، وكان من حكمته أنه لم يهلك عيسى ﵇ حينما تآمر عليه اليهود، ولا بعد رفعه، وإنما رفعه حيا وأبقاه حيا حتى ينزل ويحكم ببن الناس بشريعة محمد ﷺ، ثم يميته بعد ذلك كما تقدم.
الآية السابعة: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (١).
الجواب: حملت مريم بعيسى ﵉ بلا أب، بل على خلاف السنة الكونية في غيرهما من الآيات البينات الدالة على كمال قدرة الله سبحانه، وقد آواهما الله إلى ربوة مكان مرتفع خصيب فيه استقراه وماء معين ظاهر تراه العيون، والمراد بذلك بيت المقدس من فلسطين؛ رحمة من الله بهما ونعمة من الله عليهما، وكان ذلك في فلسطين لا في بلد من بلاد باكستان، وكان ذلك قبل ميلاد نبينا محمد ﷺ بأكثر من خمسمائة عام، لا بعد هجرة نبينا محمد ﷺ بأكثر من اثني عشر قرنا، فمن حمل الربوة على مكان بباكستان، أو تأول ابن مريم على غلام أحمد فقد حرف الآية وافترى على الله كذبا، وخرج عن واقع التاريخ.
الآية الثامنة: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢).
الجواب: استدلال القاديانيين بهذه الآية على موت عيسى ﵇ فيما مضى مبني على تفسير المتوفى بالإماتة، وهو مخالف لما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله رسوله عيسى ﵇ من الأرض، ورفعه إليه حيا، وتخليصه بذلك من الذين كفروا جميعا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الدالة على رفعه حيا، وعلى نزوله أخر الزمان وعلى إيمان أهل الكتاب جميعا وغيرهم به.
أما ما روي عن ابن عباس ﵄ من تفسير التوفي هنا بالإماتة فلم يصح سنده؛ لانقطاعه إذ هو من رواية علي بن أبي طلحة عنه، وعلي لم يسمع منه ولم يره، ولم يصح أيضا ما روي عن وهب بن منبه اليماني من تفسير التوفي بالإماتة؛ لأنه من رواية محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب ففيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، وفيه مجهول، ثم هذا التفسير لا يزيد عن
_________________
(١) سورة المؤمنون الآية ٥٠
(٢) سورة آل عمران الآية ٥٥
[ ١٢ / ١١٣ ]
كونه احتمالا في معنى التوفي؛ فإنه قد فسر بمعان: فسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنا وروحا، ورفعه إليه حيا وفسر بأنه أنامه ثم رفعه، وبأنه يميته بعد رفعه ونزوله آخر الزمان؛ إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تقتضي جمع الأمرين له فقط.
وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى؛ جمعا بين الأدلة وردا للمتشابه منها إلى المحكم، كما هو شأن الراسخين في العلم، دون أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من التنزيل؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وقانا الله شرهم.
الآية التاسعة: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١).
الجواب: الاستدلال بالآية على موت عيسى ﵇، قبل رفعه إلى السماء، أو بعد رفعه، وقبل نزوله آخر الزمان، مبني على تفسير التوفي بالإماتة كما سبق في الكلام على الآية الثامنة، وقد تقدم أن هذا التفسير غير صحيح، وأنه على خلاف ما فسره به السلف جمعا بين نصوص الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة.
الآية العاشرة: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٢).
الجواب: هذه الكلمة مما حكاه الله سبحانه في القرآن، من كلام عيسى ﵇ في المهد، وفيها أنه سبحانه أمره بالصلاة والزكاة ما دام حيا، وليس فيها تحديد لحياته ولا بيان لوقت مماته، وقد بينت ذلك الآيات التي تقدم ذكرها، فيجب حمل المجمل على المفصل من النصوص، وألا يضرب بعضها ببعض، ولا يوقف عند الذي يتشابه؛ فإن جميع ذلك من عند الله يبين بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا.
الآية الحادية عشرة: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٣)
_________________
(١) سورة المائدة الآية ١١٧
(٢) سورة مريم الآية ٣١
(٣) سورة مريم الآية ٣٣
[ ١٢ / ١١٤ ]
الجواب: هذه كالتي قبلها، فيها إثبات السلام والأمن له من الله في كل أحواله، وليس فيها تحديد لمدة حياته، ولا لوقت موته، فيجب الرجوع إلى النصوص الأخرى التي تبين ذلك كما تقدم بيانه.
الآية الثانية عشرة: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (١) ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ (٢) الجواب: هذه الآية سبقت للرد على من عبد غير الله من الملائكة، وعزيز وعيسى واللات والعزى ومناة، ببيان أنهم لا يخلقون شيئا ما ولا ذبابا، بل هم مخلوقون مربوبون أموات غير أحياء.
لكن الأدلة الأخرى دلت على بقاء عيسى ﵇ حيا؛ حتى ينزل ويحكم بين الناس بشريعة محمد ﷺ ثم يموت.
الآية الثالثة عشرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
الجواب: هذه الآية أمر الله فيها بالإيمان بجميع الأنبياء وما أنزل إليهم من ربهم، وبين أنه سبحانه لا يفرق بينهما في وجوب الإيمان بهم، وما أنزل إليهم من الله، وفي هذا رد على اليهود والنصارى الذين قالوا: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، وبيان لما أجمل من الرد عليهم في قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) وليس المراد الأمر بعدم التفريق بينهم في الموت والحياة، فإن هذا لا يرشد إليه سياق الكلام، بل يرشد إلى ما ذكرنا.
كما أن ذلك مما لم تدع إليه الرسل فحمل الآية عليه تحريف لها عما سيقت له من المعنى، وعلى تقدير حمل قوله تعالى: ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (٥) على عمومة حتى يشمل عدم التفريق
_________________
(١) سورة النحل الآية ٢٠
(٢) سورة النحل الآية ٢١
(٣) سورة البقرة الآية ١٣٦
(٤) سورة البقرة الآية ١٣٥
(٥) سورة البقرة الآية ١٣٦
[ ١٢ / ١١٥ ]
بينهم في جنس الموت والحياة بدليل الواقع والنصوص، فإن ذلك يدل على التفاوت بينهم في كثير من صفات الموت والحياة وأنواعها ومكانها وطول العمر وقصره، إلى غير ذلك فلتكن من حياة عيسى وامتدادها طويلا ومكانها وموته بعد ذلك، مما اختلف فيه عن إخوانه النبيين بدليل النصوص السابقة.
الآية الرابعة عشرة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
الجواب: القصد من هذه الآية بيان أن كل إنسان مجزي بعمله لا يتجاوزه إلى غيره، ولا يسأل عنه سواه، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣).
فعليه أن يسعى جهده في كسب الخير واجتناب الشر، وألا يتعلق على غيره فخرا به أو أملا في النجاة من العذاب يوم القيامة بقرابته منه أو صلته به وتعظيمه له في دنياه.
وعيسى ﵇ وإن دخل في عموم الأمة الماضية، إلا أن الأدلة من الكتاب والسنة قد خصصته برفعه إلى السماء وإبقائه حيا، ثم إنزاله آخر الزمان إلى آخر ما تقدم بيانه، ومن الأصول المعلومة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الخاصة يقضى بها على النصوص العامة فتخصها، والنصوص التي نحن بصددها من ذلك.
الآية الخامسة عشرة: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (٤) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٥).
الآية السادسة عشرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٦).
الجواب: تقدم الكلام على هاتين الآيتين في الكلام على الآية الأولى والثانية والثالثة
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٣٤
(٢) سورة الطور الآية ٢١
(٣) سورة الأنعام الآية ١٦٤
(٤) سورة النساء الآية ١٥٧
(٥) سورة النساء الآية ١٥٨
(٦) سورة النساء الآية ١٥٩
[ ١٢ / ١١٦ ]
والرابعة.
وبالجملة فما يتعلل به القاديانيون من الآيات القرآنية لإثبات ما زعموا أن عيسى ﵇ قد مات ودفن:
أ- إما عموميات خصصتها أدلة أخرى من الآيات والأحاديث دلت على رفع عيسى حيا وبقائه كذلك حتى ينزل آخر الزمان ويحكم بشريعة القرآن.
ووقف القاديانيون عند عموم الآيات بعد تخصيصها، وذلك باطل لمخالفته للقواعد والأصول الإسلامية.
-٢ وإما آيات مجملة فسرتها نصوص أخرى يجب المصير إليها، فوقف القاديانيون عند المجمل يتعللون به لباطلهم، دون أن يرجعوا إلى المحكم الذي فسره، وهذا شأن من في قلوبهم زيغ ونفاق، الذين يتبعون ما تشابه من نصوص الكتاب والسنة؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله على ما يوافق هواهم.
٣ - وإما كلمات اعتمدوا في تفسيرها على آثار لم يصح نسبتها إلى السلف، وقد تقدم بيان ذلك عند الكلام على الآية الثامنة: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (١)، ففرح هؤلاء بهذه الآثار؛ لموافقتها لهواهم وموهوا بها على الجمهور، ولم ينظروا إلى أسانيدها، إما لجهلهم وإما تدليسا وخداعا؛ ترويجا لباطلهم، وما ذلك إلا لزيغهم ورغبتهم في الفتنة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، والله الموفق للصواب وصلى الله على نبينا محمد آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ٥٥
(٢) سورة آل عمران الآية ٧
[ ١٢ / ١١٧ ]