لقد مكث القرآن الكريم يتنزل على رسول الله ﷺ والصحابة يسمعونه منه وهو مملوء بآيات الصفات فلم يشكل عليهم معناها، أو المراد منها، ولم ينقل عن أحد منهم أنه خاض في شيء منها طوال هذه الفترة.
قال ابن القيم: (وقد تنازع الصحابة ﵃ في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا - ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال) (١).
وقال المقريزي: (ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه لم يرو قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة رضي الله
_________________
(١) راجع أعلام الموقعين (١: ٤٩).
[ ١٢ / ٢٥٧ ]
عنهم على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ معنى شيء مما وصف به الرب سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه ﷺ بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات.
نعم، ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقا واحدا من غير تعطيل ولم يتعرض - مع ذلك - أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت.
ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوة محمد ﷺ سوى كتاب الله، ولا عرف أحد منهم شيئا من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة) (١).
هذا ما كان عليه الصحابة ﵃، وذلك لأنهم فهموا المراد من كلام الله ﷿ على ما يليق بجلاله وعظمته، ثم تابعهم على ذلك أعلام الأمة وأئمتها فلم يردوا شيئا من الصفات أو يؤولوها على غير معناها، لأنها لم توافق العقل لعلمهم بأن العقل ليس مؤهلا لمحاكمة الوحي الذي جاء من عند الله ﷿.
ولم يحدث نزاع في آيات الصفات طوال القرن الأول، حتى بداية القرن الثاني حيث ظهر فيه رواد الضلال والفتنة فخرجوا على منهج الأمة وابتدعوا في دين الله بدعا كان لها أثرها فيما بعد.
_________________
(١) الخطط (٤: ١٨٠).
[ ١٢ / ٢٥٨ ]