القاعدة الثالثة: ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار، ومجهولة لنا باعتبار آخر، فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة.
وقد دل على ذلك السمع والعقل.
أما السمع فمنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢)، وقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣).
والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه؛ ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.
_________________
(١) سورة ص الآية ٢٩
(٢) سورة الزخرف الآية ٣
(٣) سورة النحل الآية ٤٤
[ ١٢ / ٢١٢ ]
وكون القرآن عربيا؛ ليعقله من يفهم العربية، يدل على أن معناه معلوم وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها.
وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه.
وأما العقل فلأن من المحال أن ينزل الله تعالى كتابا أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام يقصد بهذا الكتاب، وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء؛ لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى، وقد قال الله تعالى عن كتابه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١).
هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات.
وأما دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية.
فمن السمع قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٣). ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا قفوا لما ليس لنا به علم، وقولا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وأما العقل فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله - ﷿ - فوجب بطلان تكييفها.
وأيضا فإننا نقول: أي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟
إن أي كيفية تقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجل من ذلك.
وأي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى فإنك ستكون كاذبا فيها؛ لأنه لا علم لك بذلك.
_________________
(١) سورة هود الآية ١
(٢) سورة طه الآية ١١٠
(٣) سورة الإسراء الآية ٣٦
[ ١٢ / ٢١٣ ]
وحينئذ يجب الكف عن التكييف؛ تقديرا بالجنان، أو تقريرا باللسان، أو تحريرا بالبنان.
ولهذا لما سئل مالك - رحمه الله تعالى - عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١)، كيف استوى؟ أطرق ﵀ برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق)، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وروى عن شيخه ربيعة أيضا الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وقد مشى أهل العلم بعدهما إلى هذا الميزان، وإذا كان الكيف غير معقول، ولم يرد به الشرع فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي، فوجب الكف عنه.
فالحذر الحذر من التكييف أو محاولته، فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك؛ فاعلم أنه من نزغاته، فالجأ إلى ربك؛ فإنه معاذك، وافعل ما أمرك به؛ فإنه طبيبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).
وبهذا علم بطلان مذهب المفوضة، الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويدعون أن هذا مذهب السلف، والسلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهما بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالا أحيانا وتفصيلا أحيانا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله ﷿.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل) ص ١١٦ ج١ المطبوع على هامش (منهاج السنة)، وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ - إلى أن قال ص ١١٨ - وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن - أو كثير مما وصف الله به نفسه - لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه.
قال: ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس، وأمر الرسول ﷺ أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه، وهو ما أخبر به الرب عن صفاته. . . لا يعلم أحد معناه فلا يعقل
_________________
(١) سورة طه الآية ٥
(٢) سورة فصلت الآية ٣٦
[ ١٢ / ٢١٤ ]
ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به، فيبقى هذا الكلام سدا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحا لباب من يعارضهم، ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم مما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلا عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف هو شر أقوال أهل البدع والإلحاد. اهـ كلام الشيخ، وهو كلام سديد من ذى رأي رشيد، وما عليه مزيد، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم.
[ ١٢ / ٢١٥ ]