المثال الخامس والسادس: قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١)، وقوله في سورة المجادلة: ﴿وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢). .
والجواب: أن الكلام في هاتين الآيتين حق على حقيقته وظاهره. ولكن ما حقيقته وظاهره؟
هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن لله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون مختلطا بهما أو حالا في أمكنتهم؟
أو يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطا بهم علما وقدرة، وسمعا وبصرا، وتدبيرا وسلطانا، وغير ذلك من معاني ربوبيته، مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه؟
ولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق، ولا يدل عليه بوجه من الوجوه، وذلك لأن المعية هنا أضيفت إلى الله - ﷿ -، وهو أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، ولأن المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان، وإنما تدل على مطلق مصاحبة، ثم تفسر في كل موضع بحسبه.
وتفسير معية الله تعالى لخلقه بما يقتضي الحلول والاختلاط باطل من وجوه:
الأول: أنه مخالف لإجماع السلف، فما فسرها أحد منهم بذلك، بل كانوا مجمعين على إنكاره.
الثاني: أنه مناف لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة، والعقل والفطرة، وإجماع السلف، وما كان منافيا لما ثبت بدليل كان باطلا بما ثبت به ذلك المنافي، وعلى هذا فيكون
_________________
(١) سورة الحديد الآية ٤
(٢) سورة المجادلة الآية ٧
[ ١٢ / ٢٢٧ ]
تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلا بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف.
الثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله ﷾.
ولا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره، وعرف مدلول المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن يقول: إن حقيقة معية الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطا بهم، أو حالا في أمكنتهم فضلا عن أن تستلزم ذلك، ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة جاهل بعظمة الرب جل وعلا.
فإذا تبين بطلان هذا القول تعين أن يكون الحق هو القول الثاني وهو أن لله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطا بهم علما وقدرة وسمعا وبصرا وتدبيرا وسلطانا وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه.
وهذا هو ظاهر الآيتين بلا ريب؛ لأنهما حق ولا يكون ظاهر الحق إلا حقا، ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبدا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية (١): ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ (٢). إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣) دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم. وهذا معنى قول السلف إنه معهم بعلمه وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وكذلك قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٥) الآية.
_________________
(١) ص ١٠٣ـ ج ٥ من مجموع الفتاوى لابن قاسم.
(٢) سورة الحديد الآية ٤
(٣) سورة الحديد الآية ٤
(٤) سورة المجادلة الآية ٧
(٥) سورة المجادلة الآية ٧
[ ١٢ / ٢٢٨ ]
ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) كان هذا أيضا حقا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد. ثم قال: فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورا لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها - وإن امتاز كل موضع بخاصية - فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب ﷿ مختلطة بالخلق، حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها. اهـ.
ويدل على أنه ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب ﷿ مختلطة بالخلق أن الله تعالى ذكرها في آية المجادلة بين ذكر عموم علمه في أول الآية وآخرها فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢).
فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم لا أنه سبحانه مختلط بهم ولا أنه معهم في الأرض.
أما في آية الحديد فقد ذكرها الله تعالى مسبوقة بذكر استوائه على عرشه وعموم علمه متلوة ببيان أنه بصير بما يعمل العباد، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣).
فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده وبصره بأعمالهم مع علوه عليهم واستوائه على عرشه لا أنه سبحانه مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض، وإلا لكان آخر الآية مناقضا لأولها الدال على علوه واستوائه على عرشه.
فإذا تبين ذلك علمنا أن مقتضى كونه تعالى مع عباده أنه يعلم أحوالهم ويسمع
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٤٠
(٢) سورة المجادلة الآية ٧
(٣) سورة الحديد الآية ٤
[ ١٢ / ٢٢٩ ]
أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبر شئونهم، فيحيي ويميت ويغني ويفقر ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء إلى غير ذلك مما تقتضيه ربوبيته وكمال سلطانه، لا يحجبه عن خلقه شيء، ومن كان هذا شأنه فهو مع خلقه حقيقة ولو كان فوقهم على عرشه حقيقة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية (٢) في الكلام على المعية قال: وهذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة ا. هـ.
وقال في الفتوى الحموية (٣): وجماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه وقصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلام عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته.
ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا ألبتة مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: هو معكم. وقوله ﷺ: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه (٤)». ونحو ذلك فإن هذا غلط.
وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٥). .
_________________
(١) وقد سبق أن المعية في اللغة العربية لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان.
(٢) ص ١٤٢ جـ ٢ من مجموع الفتاوى لابن القاسم.
(٣) ص ١٠٢، ١٠٣ جـ ٥ من مجموع الفتاوى لابن قاسم.
(٤) رواه أبو داود بهذا المعنى
(٥) سورة الحديد الآية ٤
[ ١٢ / ٢٣٠ ]
فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أين ما كنا كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال «والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه (١)». أ. هـ.
واعلم أن تفسير المعية بظاهرها على الحقيقة اللائقة بالله تعالى لا يناقض ما ثبت من علو الله تعالى بذاته على عرشه وذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: أن الله تعالى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين المنزه عن التناقض وما جمع الله بينهما في كتابه فلا تناقض بينهما.
وكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض فيما يبدو لك فتدبره حتى يتبين لك لقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢) فإن لم يتبين لك فعليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٣) وكل الأمر إلى منزله الذي يعلمه واعلم أن القصور في علمك أو في فهمك وأن القرآن لا تناقض فيه.
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام في قوله فيما سبق: كما جمع الله بينهما.
وكذلك ابن القيم كما في مختصر الصواعق لابن الموصلي (٤) في سياق كلامه على المثال التاسع مما قيل إنه مجاز قال: وقد أخبر الله أنه مع خلقه مع كونه مستويا على عرشه وقرن بين الأمرين كما قال تعالى (وذكر آية سورة الحديد) ثم قال: فأخبر أنه خلق السماوات والأرض وأنه استوى على عرشه وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه كما في حديث الأوعال: «والله فوق العرش يرى ما أنتم عليه (٥)» فعلوه لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل علوه بل كلاهما حق. ا. هـ.
الوجه الثاني: أن حقيقة معنى المعية لا يناقض العلو فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا ولا يعد ذلك تناقضا ولا يفهم منه أحد أن القمر نزل في الأرض، فإذا كان هذا ممكنا في حق المخلوق ففي حق الخالق المحيط بكل
_________________
(١) رواه الترمذي في التفسير باب ومن سورة الحاقة بهذا المعنى كما رواه بهذا المعنى ابن ماجه في المقدمة وأبو داود في باب في الجهمية وقال الترمذي حديث حسن صحيح
(٢) سورة النساء الآية ٨٢
(٣) سورة آل عمران الآية ٧
(٤) ص ٤١٠ طبعة الإمام.
(٥) رواه الترمذي وابن ماجه وأبو داود بهذا المعنى.
[ ١٢ / ٢٣١ ]
شيء مع علوه سبحانه من باب أولى وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية (١) حيث قال: وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى؛ فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي، لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة اهـ.
وصدق رحمه الله تعالى فإن من كان عالما بك مطلعا عليك مهيمنا عليك يسمع ما تقول ويرى ما تفعل ويدبر جميع أمورك فهو معك حقيقة، وإن كان فوق عرشه حقيقة لأن المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
الوجه الثالث: أنه لو فرض امتناع اجتماع المعية والعلو في حق المخلوق لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعا في حق الخالق الذي جمع لنفسه بينهما لأن الله تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسيطة (٣) حيث قال: وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته وهو علي في دنوه قريب في علوه. اهـ.
(تتمة) انقسم الناس في معية الله تعالى لخلقه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يقولون: إن معية الله تعالى لخلقه مقتضاها العلم والإحاطة في المعية العامة ومع النصر والتأييد في المعية الخاصة مع ثبوت علوه بذاته واستوائه على عرشه.
_________________
(١) ص ١٠٣ المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم.
(٢) سورة الشورى الآية ١١
(٣) ص ١٤٣ ج ٣ من مجموع الفتاوى
[ ١٢ / ٢٣٢ ]
وهؤلاء هم السلف ومذهبهم هو الحق كما سبق تقريره.
القسم الثاني: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع نفي علوه واستوائه على عرشه.
وهؤلاء هم الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم، ومذهبهم باطل منكر أجمع السلف على بطلانه وإنكاره كما سبق.
القسم الثالث: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع ثبوت علوه فوق عرشه. ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
وقد زعم هؤلاء أنهم أخذوا بظاهر النصوص في المعية والعلو. وكذبوا في ذلك فضلوا فإن نصوص المعية لا تقتضي ما ادعوه من الحلول لأنه باطل ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله باطلا.
(تنبيه) اعلم أن تفسير السلف لمعية الله تعالى لخلقه بأنه معهم بعلمه لا يقتضي الاقتصار على العلم بل المعية تقتضي أيضا إحاطته بهم سمعا وبصرا، وقدرة وتدبيرا، وغير ذلك من معاني ربوبيته.
(تنبيه آخر) أشرت فيما سبق إلى أن علو الله تعالى ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع، أما الكتاب فقد تنوعت دلالته على ذلك.
فتارة بلفظ العلو والفوقية والاستواء على العرش، وكونه في السماء كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢) ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٣)، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤)، ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٥).
وتارة بلفظ صعود الأشياء وعروجها ورفعها إليه كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٦)
_________________
(١) انظر ص ٢٢٩ج ٥ من مجموع الفتاوى.
(٢) سورة الشورى الآية ٤
(٣) سورة الأنعام الآية ١٨
(٤) سورة طه الآية ٥
(٥) سورة الملك الآية ١٦
(٦) سورة فاطر الآية ١٠
[ ١٢ / ٢٣٣ ]
﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (١)، ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٢).
وتارة بلفظ نزول الأشياء منه ونحو ذلك كقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣)، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ (٤).
وأما السنة فقد دلت عليه بأنواعها القولية والفعلية والإقرارية في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر وعلى وجوه متنوعة كقوله ﷺ في سجوده: «سبحان ربي الأعلى (٥)»، وقوله: «إن الله لما قضي الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي (٦)»، وقوله: «ألا تأمنوا لي وأنا أمين من في السماء (٧)»، «وثبت عنه أنه رفع يديه وهو على المنبر يوم الجمعة يقول: اللهم أغثنا (٨)»، «وأنه رفع يده إلى السماء وهو في يخطب الناس يوم عرفة حين قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال: اللهم اشهد (٩)». وأنه قال للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء، فأقرها وقال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة (١٠)».
وأما العقل فقد دل على وجوب صفة الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص. والعلو صفة كمال والسفل نقص فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده.
وأما الفطرة فقد دلت على علو الله تعالى دلالة ضرورية فطرية فما من داع أو خائف فزع إلى ربه تعالى إلا وجد في قلبه ضرورة الاتجاه نحو العلو لا يلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة.
واسأل المصلين يقول الواحد منهم في سجوده: سبحان ربي الأعلى أين تتجه قلوبهم حينذاك.
وأما الإجماع فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله تعالى فوق سماواته مستو على عرشه وكلامهم مشهور في ذلك نصا وظاهرا قال الأوزاعي: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن
_________________
(١) سورة المعارج الآية ٤
(٢) سورة آل عمران الآية ٥٥
(٣) سورة النحل الآية ١٠٢
(٤) سورة السجدة الآية ٥
(٥) مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٥٤).
(٦) صحيح البخاري التوحيد (٧٤٢٢)، صحيح مسلم التوبة (٢٧٥١)، سنن الترمذي الدعوات (٣٥٤٣)، سنن ابن ماجه المقدمة (١٨٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٣٩٧).
(٧) صحيح البخاري المغازي (٤٣٥١)، صحيح مسلم الزكاة (١٠٦٤)، سنن النسائي الزكاة (٢٥٧٨)، سنن أبو داود السنة (٤٧٦٤)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٥).
(٨) صحيح البخاري الجمعة (١٠١٣)، صحيح مسلم صلاة الاستسقاء (٨٩٧)، سنن النسائي الاستسقاء (١٥١٨)، سنن أبو داود الصلاة (١١٧٤)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ١٩٤)، موطأ مالك النداء للصلاة (٤٥٠)، سنن الدارمي الصلاة (١٥٣٥).
(٩) صحيح البخاري الحج (١٧٨٥)، صحيح مسلم كتاب الحج (١٢١٨)، سنن الترمذي الحج (٨٥٦)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٧٦٣)، سنن أبو داود كتاب المناسك (١٩٠٥)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٧٤)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٢١)، موطأ مالك الحج (٨٣٦)، سنن الدارمي كتاب المناسك (١٨٥٠).
(١٠) صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (٥٣٧)، سنن النسائي السهو (١٢١٨)، سنن أبو داود الصلاة (٩٣٠)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٤٤٧)، سنن الدارمي الصلاة (١٥٠٢).
[ ١٢ / ٢٣٤ ]
الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم ومحال أن يقع في مثل ذلك خلاف وقد تطابقت عليه هذه الأدلة العظيمة التي لا يخالفها إلا مكابر، طمس على قلبه، واجتالته الشياطين عن فطرته نسأل الله تعالى السلامة والعافية.
فعلو الله تعالى بذاته وصفاته من أبين الأشياء وأظهرها دليلا وأحق الأشياء وأثبتها واقعا.
[ ١٢ / ٢٣٥ ]