على ضوء ما تقدم يمكن أن يقال:
أولا: أ- من كان ذا منعة وسطا جهارا بسلاح في صحراء ونحوها أو في طائرة، في جو أو سفينة، في بحر أو سيارة، في بر مثلا فقتل أو أخذ مالا أو انتهك عرضا أو أرهب وأخاف، فهو محارب اتفاقا، فللإمام أن يعاقبه بأي عقوبة من العقوبات الأربع التي في آية المحاربة على قول من قال من العلماء: إن- أو- في الآية للتخيير مطلقا حسب ما يراه مما يدرأ المفسدة ويحقق المصلحة لا بالهوى والتشهي.
أما على رأي من يقول: إن- أو- في الآية لتوزيع العقوبة حسب نوع الجريمة، فعلى ولي الأمر أن يقتل من قتل أو يصلبه حتى يموت، وأن يقطع يده ورجله من خلاف إن
[ ١٢ / ٦٧ ]
أخذ المال فقط، وأن يحده إن زنى، وأن يعزره إن انتهك العرض بما دون الجماع، وأن يعاقبه بمثل جنايته إن كانت دون القتل، وأن ينفيه إن لم يكن منه إلا الإخافة والإرهاب.
ب: وإن وقع ذلك منه في مصر ونحوه فللإمام الخيار في عقوبته كما تقدم عند من رأى أن المحاربة تكون في المصر، وقال: إن- أو- في الآية للتخيير.
أما على قول من قال من العلماء: إن المحاربة لا تكون في المصر فعلى الإمام أن يعاقبه حسب جريمته بالعقوبات المبينة تفصيلا في الكتاب والسنة إلا آية الحرابة؛ لكونه غير محارب في نظرهم.
ثانيا - أ- من كان ذا قوة أو منعة فخطف إنسانا جهارا في صحراء، فقتل أو أخذ مالا أو انتهك عرضا، أو جنى جناية أقل من القتل، أو أخاف وأرهب فقط، فهو محارب، للإمام الخيار في أن يعاقبه بإحدى العقوبات التي بآية المحاربة عند من يقول أن- أو- في آية المحاربة للتخيير، وذلك حسب ما يراه قاضيا على المفسدة ومحققا للمصلحة لا بالهوى والتشهي.
أما على قول من يرى أن- أو- في الآية لتوزيع العقوبة حسب نوع الجريمة، فعلى ولي الأمر أن يقتل من قتل أو يصلبه حتى يموت، وأن يقطع يده ورجله من خلاف إذا أخذ المال فقط، وأن يحده إن زنى، وأن يعزره إذا انتهك العرض بما دون الجماع، وأن يعاقبه بمثل جرمه إن جنى بما دون القتل، وأن ينفيه إن لم يكن منه إلا الإرهاب والإخافة.
ب- وإن وقع ذلك منه في مصر ونحوه فللإمام الخيار في عقوبته، كما تقدم عند من رأى أن المحاربة تكون في المصر ونحوه، وقال: إن- أو- في آية الحرابة للتخيير.
أما على قول من قال: إن المحاربة لا تكون في المصر، فعلى الإمام أن يعاقبه حسب جريمته بالعقوبات التي نص عليها في الكتاب والسنة، فيما عدا آية الحرابة والتي استنبطها العلماء منهما؛ لكونه غير محارب.
ثالثا- من زنى بامرأة بالإكراه أقيم عليهما حد الزنا رجما أو جلدا مع مراعاة تحقيق شروط إقامة الحد بالزنا، وانتفاء الموانع، وإن انتهك حرمتها برضاها لكن بغير جماع؛ عزر بما يقتضيه نظر ولي الأمر أو نائبه في ذلك.
[ ١٢ / ٦٨ ]
رابعا- من غرر بصبي أو صبية وانتهك العرض كان محاربا في نظر مالك وجماعة، ويقام عليه حد الحرابة على التفصيل الذي تقدم؛ لأن هذا نوع من الغيلة وهي داخلة في الحرابة عندهم.
ومن لم يعتبر هذا غيلة أو لم يجعل الغيلة داخلة في الحرابة، أي أنه يعاقب بما تقتضيه جريمته من حد أو تعزير.
خامسا: الخمر والمخدرات:
إن الله تعالى قد كرم الإنسان بالعقل وميزه به عن الحيوان، وجعله مناط التكليف بالعقائد والعبادات والمعاملات، وصلح به أن يكون خليفة في الأرض يدير شئونها، ويدبر أمورها بما شرع الله تعالى في كتبه وعلى ألسنة رسله، فينتظم بها العمران وتطيب فيها الحياة.
وإن الخمر تؤثر في العقل، وتخل بتوازنه، بل تذهب بإدراكه وتفكيره فيفقد الإنسان بذلك ميزته، ومصدر سعادته، ويصير مثار شر على نفسه، وخطر على مجتمعه دينا ودنيا، فإن السكران تنعكس في نفسه مقاييس الأمور، فيحسب الخير شرا والمعروف منكرا، وتسول له نفسه الاعتداء على النفوس والأموال، والعبث بالأعراض، ولا وزن لديه لآداب ومكارم الأخلاق، وبذلك تسود الفوضى في الأمة، وينتشر فيها الاضطراب، ويختل الأمن، ويداخل النفوس القلق، وعدم الاطمئنان، وليس إدمان المخدرات بأقل خطرا من شرب الخمر، بل ربما كان إدمانها أشد ضررا على من ابتلي بها. وأسوأ عاقبة في مجتمعه في الدنيا والدين.
لذلك حرم الإسلام تناول الخمر وكل مخدر، وشرع فيها الحد أو التعزير؛ تأديبا لمتعاطيها، وراحة لغيره، وحماية للمجتمع من خطرها، وتطهيرا له من رجسها، ومحافظة على أمن الأمة واطمئنانها، وعلى سلامتها في دينها، وصحتها وعرضها ومالها، فعلى ولاة الأمور من العلماء والحكام أن يقوموا بواجبهم في ذلك بيانا وإرشادا أو دعوة ونصحا، وتنفيذا للعقوبة حدا أو تعزيرا، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).
_________________
(١) سورة الحديد الآية ٢٥
[ ١٢ / ٦٩ ]
وعلى هذا وما تقدم في الإعداد وخاصة ما في كلام شيخ الإسلام ابن تيميه - ﵀ - وما ذكر بعده تحت عنوان: (دراسات حديثة) من مضار الخمر وآثارها السيئة، يمكن أن يقال:
أ - من أدمن تعاطي المسكرات أو المخدرات من خمر وحشيش وأفيون وجوزة الطيب وحبوب مسكرة أو مخدرة ونحوها، بأن طعمها فعوقب، ثم طعمها فعوقب، وهكذا فلولي الأمر أن يعزره ولو بالقتل إذا لم تدرأ المفسدة إلا بذلك. فإن التعزير قد يغلظ بتكرار الجريمة وبفشوها وانتشارها بين الناس، وما ينشأ عنها من شدة الخطر، وما يترتب عليها من عظيم الأضرار.
أما إذا لم يتكرر منه ذلك، أو كانت المفسدة تدرأ بما دون القتل فعلى ولي الأمر أن يعاقبه بما دون القتل من حد أو تعزير.
ب - من روج المسكرات أو المخدرات أيا كان نوعها ببيعها، أو إهدائها، أو تهريبها، أو صنعها، أو تصديرها، أو استيرادها، أو الإغراء بها، وإيهام منافع لها ونحو ذلك، فهو معين على انتشار الشر، وساع في الأرض فسادا، ومتعاون مع متعاطيها على الإثم والعدوان، وربما كان خطر الترويج والتهريب والتجارة فيها وما شابه ذلك أشد من المتناول والضرر به أعم وأشمل، فلولي الأمر تعزيرهم ولو بالقتل إذا لم يردعهم إلا ذلك. ولم تدرأ المفسدة إلا به. فإن تحقيق المصلحة العامة للأمة مقدم على المصلحة الفردية، ودرء المفسدة العامة للمجتمع يجب تقديمه على درء المفسدة الخاصة، وليس هذا بغريب.
فإن جماعة من المنافقين ومرضى القلوب قد تعرضوا بالأذى والفتنة لنساء المؤمنين في الطرقات حين ذهابهن لحاجتهن، فأمرهن الله أن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ ليعرفن بالعفة فلا يطمع في انتهاك حرمتهن منافق أو مريض قلب، ويسلمن من الأذى والفتنة، وأنذر أولئك الذين يتعرضون لهن، وهددهم إن لم ينتهوا عن صنيعهم الكريه من التعرض للمؤمنات أن يغري بهم رسول الله ﷺ، فينزل بهم أليم عقابه؛ تشريدا ونفيا عن المدينة؛ حتى لا يجاوروه فيها إلا قليلا، وأن يسلطه عليهم فيقتلهم تقتيلا أين ما وجدهم، وتمكن من
[ ١٢ / ٧٠ ]
التنكيل بهم؛ جزاء وفاقا بما كسبت أيديهم من التعرض لانتهاك حرمات المؤمنات.
وهناك طائفة أخرى أرجفت في المدينة بنشر أخبار كاذبة، كحديثهم عن قوة الكفار واجتماعهم وتعاونهم ومسيرهم إلى المؤمنين؛ ليدخلوا بذلك الفزع على المؤمنين؛ فيتخاذلوا على نحو ما ذكر الله تعالى عنهم في الآيات الأولى من سورة الأحزاب، فهؤلاء ليسوا أقل خطرا ممن قبلهم على كيان الأمة، وإن كانت الأولى في الأعراض إشاعة للفاحشة وتدنيسا للأخلاق، والثانية في السياسة تخذيلا وتحطيما للأعصاب، وقد أنذرهم الله بما أنذر به من تعرض بالأذى لنساء المؤمنين، وهددهم بالتشريد والنفي والتقتيل أين ما ثقفوا، مع أنه لم يثبت على هؤلاء ولا أولئك ما يوجب الرجم أو الجلد أو القصاص، وإنما وقع منهم ما يوجب التعزير بالنفي والتقتيل إن لم يكفوا عن جريمتهم، ولم يكن ذلك لمجرد نفاقهم ومرض قلوبهم وضعف نفوسهم، فليس ببعيد أن يبلغ ولي الأمر بالتعزيز فيما نحن بصدد بحثه أو بيان عقوبته قتلا- والمروجون لشرب الخمر وتناول المخدرات بأي وسيلة من وسائل الترويج والإغراء، وإن لم يتناولوا شيئا مسكرا أو مخدرا، لكنهم سعوا في الأرض فسادا.
وبعد فالواقع الأليم، والبلاء الداهم ليس من عدم وجود أصول علمية واضحة، ولا من عدم وقوف القضاة الأفاضل عليها وفهمهم إياها.
فالنظريات العلمية والقواعد الفقهية متيسرة مطروقة، والقضاة - والحمد لله - قد وقفوا عليها وفهموها، وإنما جاء ذلك من البطء في اتخاذ الإجراءات، والتراخي في تطبيق القواعد الفقهية عليها مع مراعاة الظروف والأحوال المحيطة بها، وشاهد ذلك أنه قد حدثت أحداث من جنس موضوع البحث، ونالت العناية في تعجيل الإجراءات، وأخذ المسئولون عنها أنفسهم بالحزم وقوة العزم والجد والاجتهاد في فحصها، والبت فيها فصدر الحكم، وتم التنفيذ في عدة أيام. والواقع خير شهيد، فطريقة تعجيل النظر في القضايا المهمة وإحكام بحثها وإصدار الحكم فيها معلومة مطروقة. فلتسلك في مثل هذه القضايا مستقبلا كما سلكت قبل في نظائرها؛ فإن هذا هو حل المشكلة والطريق لإنقاذ الأمة من ويلات الحوادث المؤلمة التي تلظى بنارها.
وقد عرض هذا بعض أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة السابعة عشرة، لكن تغلبت فكرة إعداد بحث فأعد بذكر أراء الفقهاء - ﵏ - الاجتهادية والنظرية، وتطبيق ذلك نظريا إجمالا على الجزيئات المقترح بيان الحكم فيها.
أما تطبيقه تفصيلا على
[ ١٢ / ٧١ ]
الوقائع الشخصية فهو رهين بالظروف وقرائن الأحوال التي تختص بها كل واقعة بعينها، وهذه مسئولية القضاة - أعانهم الله - والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة لبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز
نقاط البحث في القسم الأول في العدد الحادي عشر
صفحة
١٤ - مقدمة في وجوب حفظ الأمن. تحقيقا لطمأنينة الأمة.
١٧ - كلام بعض علماء التفسير على نصوص من الكتاب والسنة، تتعلق بعقوبة الحرابة والإفساد في الأرض مع مناقشتها.
٧٢ - أقوال فقهاء الإسلام في تحديد جريمة الحرابة والإفساد في الأرض وفي عقوبتها مع المناقشة.
٧٢ - مذهب الحنفية.
٨٥ - مذهب المالكية.
٩٤ - مذهب الشافعية.
-١٠٢ مذهب الحنابلة.
-١١٦ رأي ابن حزم.
-١٢٥ نقل عن ابن تيمية في الحرابة وما يتعلق بها.
-١٣٧ تعريف الخمر وبيان الفرق بين المسكر والمخدر والمفتر، وذكر أقوال الفقهاء في حكم تعاطيها، وعقوبة من يتعاطها ومن يساعد عليها.
١٣٧ - معنى الخمر لغة وشرعا
نقاط البحث في القسم الثاني في العدد الثاني عشر
الفرق بين حقيقة كل من الخمر والمخدر والمفتر وبيان العلاقة بينها.
١٢ - ما يثبت به شرب الخمر.
[ ١٢ / ٧٢ ]
٥٢ - عقوبة من ثبت عليه شرب الخمر في زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين.
٥٣ - كلمة عن ابن قدامة وابن تيمية في التعزير.
٣٧ - خلاف العلماء في أن عقوبتها حد أو تعزير.
٣٨ - حكم من تكرر منه شرب الخمر.
٤٥ - كلمة لشيخ الإسلام ابن تيمية الحفيد عن الخمر والمخدر والمفتر.
٥٤ - دراسات حديثة تؤيد وجهة نظر فقهاء الإسلام في حكمهم في الخمر والمخدرات وتبين خطرها.
٥٧ - خلاصة المقصود مما تقدم.
٦٧ - تطبيق إجمالي على المسائل المطلوب بيان حكمها.
[ ١٢ / ٧٣ ]