الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
وبعد: فقد قرأت البحث الذي أعده أخونا الفاضل الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في إثبات علو الله تعالى، ومباينته لخلقه، والرد على من زعم أن معية الله تعالى لخلقه معية ذاتية، فوجدته كتابا قيما، قرر فيه مؤلفه الحقائق التالية:
الأولى: إثبات علو الله تعالى بذاته وصفاته؛ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة على ذلك.
الثانية: إثبات استوائه تعالى بذاته على عرشه استواء حقيقيا يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تمثيل؛ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك.
الثالثة: إثبات معية الله لخلقه بعلمه وإحاطته إن كانت عامة، وبنصره وتأييده مع العلم والإحاطة إن كانت خاصة، وتأييد ذلك بما نقله عن السلف والأئمة.
الرابعة: إبطال قول الحلولية القائلين بأن الله تعالى بذاته في الأرض أو في الأرض وعلى العرش؛ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة على إبطاله.
الخامسة: إنكاره القول بالمعية الذاتية.
وكل ما قرره فهو حق، فعلو الله تعالى على خلقه بذاته وصفاته دل عليه القرآن في آيات متعددة، وعلى وجوه متنوعة معلومة لكل من قرأ كتاب الله تعالى، موجبة للعلم القطعي، ودلت عليه السنة بأنواعها القولية والفعلية والإقرارية في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر، وعلى وجوه متنوعة.
ودل عليه العقل من وجهين:
[ ١٢ / ١٣٠ ]
أحدهما: أن العلو صفة كمال، والله تعالى له صفات الكمال من كل وجه، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) فوجب ثبوت العلو له.
الثاني: أنه إذا انتفت صفة العلو ثبتت صفة السفل لتقابلهما، وصفة السفل صفة نقص، والله تعالى منزه عن كل نقص.
ودلت الفطرة أيضا على علو الله تعالى دلالة ضرورية فطرية، فما من داع أو خائف إلا فزع إلى ربه تعالى، نحو السماء لا يلتفت عنه يمنة ولا يسرة، والمسلمون في سجودهم يقول القائل منهم: سبحان ربي الأعلى، فلا يجد من قلبه إلا الاتجاه نحو السماء.
وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على ما اقتضته هذه الأدلة من علو الله تعالى بذاته وصفاته.
ولم يخالف في ذلك إلا من اجتالته الشياطين من الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم، أو من سلكوا سبيل التعطيل المحض في هذا الباب فقالوا: إنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، وقد قال بعض العلماء: لو قيل صفوا الله بالعدم ما كان أبلغ لوصفه بذلك من هذا القول، تعالى الله عنه علوا كبيرا.
واستواء الله تعالى على عرشه بذاته حقيقة هو علو الله علوا خاصا يليق بجلاله وعظمته، وفيه عن السلف أربعة معان هذا أحدها، والثاني الصعود، والثالث الارتفاع، والرابع الاستقرار، وكلها حق لا تناقض بينها، ولا تنافي ما يجب لله تعالى من الكمال.
ولم يخالف السلف في ذلك إلا أهل التحريف والتعطيل الذين قالوا: إنه بمعنى الاستيلاء عليه، وهو قول باطل مخالف لصريح القرآن والسنة، فقد ذكر الله تعالى الاستواء على العرش في سبعة مواضع من القرآن، لم يأت في واحد منها بلفظ الاستيلاء حتى يفسر به الباقي، ثم إنه ذكر بلفظ الفعل مقرونا بثم في ستة مواضع، ومذكورا بعده عموم الملك في الموضع السابع، مما يمنع منعا ظاهرا أن يكون بمعنى الاستيلاء. وجاءت السنة بالتصريح بأن الله فوق العرش، ولا يخفى أيضا ما يلزم على تفسيره بالاستيلاء من اللوازم الباطلة.
وتفسير معية الله تعالى لخلقه بعلمه بهم وإحاطته في المعية العامة، وبنصره وحفظه مع
_________________
(١) سورة الروم الآية ٢٧
[ ١٢ / ١٣١ ]
العلم والإحاطة في المعية الخاصة أمر مشهور بين السلف، حكى الإجماع عليه غير واحد من أهل العلم. واقتضاء المعية ذلك ظاهر من سياق الآيات الواردة فيها.
ففي المعية العامة ذكرها الله تعالى في سورة المجادلة بين علمين، وفي آية الحديد ذكرها بعد العلم وقبل قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) وفي المعية الخاصة ذكرها الله تعالى في سورة محمد حين نهى المؤمنين عن الوهن في قتال الأعداء، وفي سورة التوبة حين «قال أبو بكر للنبي ﷺ: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال النبي ﷺ: لا تحزن إن الله معنا (٢)».
وهكذا بقية الآيات التي فيها ذكر المعية بنوعيها.
وبطلان القول بالحلول معلوم بدلالة الكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع؛ وذلك لأن القوت به مناقض تمام المناقضة للقول بعلو الله تعالى بذاته وصفاته، فإذا كان علو الله تعالى بذاته وصفاته ثابتا بهذه الأدلة؛ كان نقيضه باطلا بها.
وإنكار القول بالمعية الذاتية واجب؛ حيث تستلزم القول بالحلول؛ لأن القول بالحلول باطل، فكل ما استلزمه فهو باطل يجب إنكاره ورده على قائله كائنا من كان.
وأسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من المتعاونين على البر والتقوى، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، وأن ينصرنا بالحق ويجعلنا من أنصاره؛ إنه ولي ذلك القادر عليه، وهو القريب المجيب.
_________________
(١) سورة الحديد الآية ٤
(٢) صحيح البخاري كتاب المناقب (٣٦١٥)، صحيح مسلم الزهد والرقائق (٢٠٠٩).
[ ١٢ / ١٣٢ ]