لما كان الإنسان وجد لحكمة وغاية بما يشرف وجوده ويرتقي نوعه على بقية المخلوقات وبها يحصل على سعادة الدنيا والآخرة - فإنه يشعر في أعماق نفسه برغبة شديدة وحرص أكيد لمعرفة تلك الغاية.
فأي إنسان لم تنكشف له تلك الحقيقة فإنه يتعرض لنكد القلب وقلق النفس وحيرة الضمير حتى ليكاد يتمزق من داخله. . .
هذا واقع التائهين الذين لم يعرفوا غاية وجودهم، وحكمة خلقهم، وما نسمعه عن حياة هؤلاء التائهين أو نقرؤه في صحفهم وتقاريرهم يبين تلك الحقيقة ويؤكدها.
واستمع إلى بعض التقارير عن ذلك الواقع:
يقول مؤلف " الإنسان ذلك المجهول " الكسيس كاريل الفرنسي - وهو يتحدث عن الأمراض العقلية التي أصيب بها المجتمع الأمريكي: (في عام ١٩٣٢ كان عدد المجانين الموجودين بالمستشفيات الحكومية = ٤٠٠٠٠٠ (أربعمائة ألف) مجنون كما كان عدد
[ ١٢ / ٢٤٧ ]
ضعاف العقول والمصروعين المحجوزين في المصحات الخاصة = ٨١٥٨٠ (واحدا وثمانين ألفا وخمسمائة وثمانين) شخصا، وكان عدد مطلقي السراح بشرط كلمة الشرف من ضعاف العقول = ١٠٩٣٠ (عشرة آلاف وتسعمائة وثلاثين شخصا). . .
ولا تشمل هذه الإحصاءات الحالات العقلية التي تعالج في المستشفيات الخاصة. . . وحقيقة الأمر أن عدد الأفراد الذين انحطوا عقليا أكثر من ذلك بكثير، ويقدر أن عدة مئات من الآلاف لم تشملهم الإحصائيات الرسمية مصابون باضطرابات نفسية، وتدل هذه الأرقام على مدى استعداد شعور الرجل المتحضر للعطب، وكيف أن مشكلة الصحة العقلية تعتبر من أهم المشكلات التي يواجهها المجتمع العصري (١٧٨ - ١٧٩).
أرأيت يا أخي القارئ كيف أن الإنسان الذي لم يعرف غاية وجوده، أنه مصاب في أعز ما يملك ألا وهو " عقله " الذي يميزه عن بقية المخلوقات غير العاقلة، لأنه لم يستطع الوصول إلى " حكمة خلقه " رغم الحضارة المادية والكشوف العلمية التي وصل إليها. . .
وهذه الإحصاءات كما ترى كانت قبل خمسين عاما، فما بالك بها الآن. . . هذا إلى جانب الأعداد الكبيرة الأخرى التي تنهي حياتها بالانتحار لعدم وصولها إلى معرفة الغاية من الوجود والحكمة من الخلق.
فلا بد إذن للإنسان - لكي يسعد في الدنيا والآخرة - من معرفة غاية وجوده في هذه الحياة الدنيا وذلك لا يعرف إلا بمعرفة الخالق الموجد ﷾.
[ ١٢ / ٢٤٨ ]