في أوائل القرن الثاني ظهر أربعة أشخاص من رواد المذاهب المنحرفة في فهم العقائد الإسلامية وهم:
[ ١٢ / ٢٥٨ ]
(١) واصل بن عطاء (ت: ١٣١ هـ) مؤسس مذهب الاعتزال.
(٢) الجعد بن درهم (ت: ١٢٤ هـ) وهو أول من أنكر كلام الله ﷿ وصفاته. قال السيوطي: إن الجعد هو: (أول من تفوه بكلمة خبيثة في الاعتقاد - يعني في الإسلام -. . فقال: بأن الله لا يتكلم). وقد قتله أمير الكوفة خالد بن عبد الله القسري - يوم عيد الأضحى (١).
(٣) الجهم بن صفوان (١٢٨ هـ) وقد خلف الجعد في دعوته فقتله سلم بن أحوز في أصبهان (٢).
(٤) مقاتل بن سليمان (١٥٠ هـ)، وقد كان مؤسس مذهب المشبهة، كما قال أبو حنيفة ﵀: (أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل، ومقاتل مشبه) (٣).
فهؤلاء أربعة كانوا زعماء التأويل والتشبيه فتكون بعد ذلك منهجان منحرفان على أقوالهم.
الأول: مذهب الاعتزال الذي يقوم على التأويل ورد كل نص لا يوافق عقولهم، أو تأويله على خلاف ظاهره، كما قال زعيم الاعتزال في القرن الخامس القاضي عبد الجبار - قال: (وأما ما لا يعلم كونه صدقا ولا كذبا فهو كأخبار الآحاد، وما هذا سبيله يجوز العمل به إذا ورد بشرائطه).
فأما قبوله فيما طريقه الاعتقادات فلا، إلا إذا كان موافقا لحجج العقول واعتقد موجبه لا لمكانه بل للحجة العقلية، فإن لم يكن موافقا لها فإن الواجب أن يرد وأن يحكم أن النبي لم يقله، وإن قاله فإنما قال على طريق الحكاية عن غيره، هذا إذا لم يحتمل التأويل، إلا بتعسف فأما إذا احتمله فالواجب أن يتأول. . . . . . . . . . .) (٤).
ونحن لا ندري أي عقل هو الذي يحاكم إليه النص الشرعي، لأن العقول تتفاوت،
_________________
(١) كتب الفرق والملل.
(٢) كتب الفرق والملل.
(٣) كتب الفرق والملل.
(٤) شرح الأصول الخمسة (٧٨٦ - ٧٦٩).
[ ١٢ / ٢٥٩ ]
ثم أي فائدة للوحي مادام أن العقل هو الحاكم عليه.
الثاني: مذهب المشبهة وهم الذين بالغوا في إثبات الصفات حتى شبهوا صفات الله ﷿ بصفات خلقه.
ثم ظهر هناك مذهب ثالث أراد أن يوفق بين مذهب المعتزلة ومذهب أهل السنة والجماعة كان زعيمه (عبد الله بن كلاب) (١) الذي أثبت بعض الصفات ونفى البعض الآخر، وتابعه في ذلك أبو الحسن الأشعري، ثم رجع الأشعري في آخر حياته إلى مذهب السلف كما هو مبين في كتبه كالمقالات والإبانة وغيرهما.
والأشعرية اليوم، ليسوا على مذهب الأشعري، بل على مذهب ابن كلاب حيث يثبتون بعض الصفات وهي (العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام والحياة) سبع صفات فقط، مع العلم بأنهم يوافقون المعتزلة قي أن القرآن لم يتكلم به الله ﷿، وإن زعموا أنهم يثبتونه ولهم في معنى الكلام المثبت تصور منحرف.
ثم يؤلفون بقية الصفات الأخرى كالاستواء والمحبة والبغض والرضا والغضب وما إلى ذلك (٢).
هذه هي المذاهب التي تكونت مخالفة لمذهب السلف، والأخير منها أقرب إلى أهل السنة والجماعة، ولكنهم مخالفون في أمور كثيرة كما يتبين ذلك من مؤلفاتهم.
وبعد هذا العرض الموجز نبين مذهب أهل السنة والجماعة وموقفهم من هذه المذاهب باختصار.
_________________
(١) راجع الفتاوى لابن تيمية ٦: ٣٦٧، ٣٦٨، ٥٢١، ٥٢٢). ومقالات الإسلاميين (١: ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٢) راجع مقالات الإسلاميين (١: ٣٤٥ - ٣٥٠).
[ ١٢ / ٢٦٠ ]