فصل
وأما الإجماع من أهل السنة والجماعة على خلاف ما زعمه القائل، بأن معية الله لخلقه معية ذاتية، فقد حكاه غير واحد من أكابر العلماء. ومن أجلهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - فقد روى القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" بإسناده إلى أبي العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسي الإصطخري، قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها. فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.
ثم ساق الإمام أحمد أقوالهم في هذه العقيدة إلى أن قال: وخلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء العليا السابعة، وعرش الرحمن - ﷿ - فوق الماء، والله - ﷿ - على العرش والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السماوات والأرضين السبع وما بينهما، وما تحت الثرى، وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة وشجرة وكل زرع وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال وأعمال العباد، وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم، ويعلم كل شيء، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة، ودونه حجب من نور ونار وظلمة، وما هو أعلم به.
فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله - ﷿ -: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١)، وبقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢)، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٣)، وإلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٤)، ونحو هذا من متشابه القرآن. فقل: إنما يعني بذلك العلم؛ لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا، ويعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان انتهى.
فليتأمله المبتلى بمخالفة أهل السنة والجماعة حق
_________________
(١) سورة ق الآية ١٦
(٢) سورة الحديد الآية ٤
(٣) سورة المجادلة الآية ٧
(٤) سورة المجادلة الآية ٧
[ ١٢ / ١٤٥ ]
التأمل. وليتق الله ولا يكن من دعاة البدع والضلالة، فقد قال الله تعالى فيهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (١)، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٢)». رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٣) هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله، انتهى. وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - ﵀ - تعالى في "القاعدة المراكشية" وأقره وهو مذكور في صفحة ١٩٣ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى. ثم قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف؛ إذ لم ينقل عنهم غير ذلك؛ إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، انتهى. وقد نقل الذهبي كلام ابن عبد البر في كتاب "العلو"، ونقله ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" وأقراه.
وذكر شيخ الإسلام أيضا في "شرح حديث النزول " قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٤) وقوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٥) الآية. ثم قال: وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه.
وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد يعتمد بقوله، وهو مأثور عن ابن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم. ثم ذكر الشيخ ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٦) قال: هو على العرش، وعلمه معهم. وروي أيضا عن سفيان الثوري أنه قال: علمه معهم. وروي أيضا عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٧) إلى قوله: ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٨) قال هو على العرش وعلمه معهم.
_________________
(١) سورة النحل الآية ٢٥
(٢) صحيح البخاري التوحيد (٧٥٤٣)، صحيح مسلم الحدود (١٦٩٩)، سنن أبو داود الحدود (٤٤٤٦)، سنن ابن ماجه الحدود (٢٥٥٦)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٥)، موطأ مالك الحدود (١٥٥١)، سنن الدارمي الحدود (٢٣٢١).
(٣) سورة المجادلة الآية ٧
(٤) سورة الحديد الآية ٤
(٥) سورة المجادلة الآية ٧
(٦) سورة الحديد الآية ٤
(٧) سورة المجادلة الآية ٧
(٨) سورة المجادلة الآية ٧
[ ١٢ / ١٤٦ ]
وقال أبو عمرو الطلمنكي: وأجمعوا - يعني أهل السنة والجماعة - على أن لله عرشا، وعلى أنه مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه. قال: فأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١)، ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء.
قال: وقال أهل السنة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢)، الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز، انتهى، وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في شرح حديث النزول، وهو في صفحة ٥١٩ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى، ونقل بعضه الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية".
ونقل شيخ الإسلام أيضا عن أبي عمرو الطلمنكي أنه قال: وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن من جميع خلقه. وتعالى الله عن قول أهل الزيغ وعما يقول الظالمون علوا كبيرا، انتهى، وهو مذكور في صفحة ٥٠١ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى.
وروى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات " بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - قول الأوزاعي في (الفتوى الحموية الكبرى)، ثم قال: وقد حكى الأوزاعي -وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابع التابعين، الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق - حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان، بأن الله فوق العرش وبصفاته السمعية. وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك، انتهى.
وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - كلام الأوزاعي في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية"، ثم قال: هذا الأثر يدخل في حكاية مذهبه ومذهب التابعين، انتهى.
وقال الذهبي في كتاب "العلو" قال أبو أحمد الحاكم وأبو بكر النقاش المفسر واللفظ
_________________
(١) سورة الحديد الآية ٤
(٢) سورة طه الآية ٥
[ ١٢ / ١٤٧ ]
له: حدثنا أبو العباس السراج قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة. نعرف ربنا أنه في السماء السابعة على عرشه كما قال ﷻ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وكذا نقل موسى بن هارون عن قتيبة أنه قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، قال الذهبي: فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، انتهى. وقد نقل ابن القيم كلام قتيبة في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" بمثل ما ذكره الذهبي.
وروى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي بإسناده إلى الحسن بن محمد بن الحارث قال: سئل علي بن المديني - وأنا أسمع- ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية وبالكلام، وأن الله - ﷿ - فوق السماوات على عرشه استوى. فسئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢)، فقال: اقرأ ما قبله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ (٣)، انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية".
قال أبو بكر الخلال في كتاب السنة: أخبرنا أبو بكر المروذي، حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري، حدثنا أبو داود الخفاف سليمان بن داود قال: قال إسحاق بن راهويه: قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة، انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وقال الذهبي بعد إيراده: اسمع ويحك إلى هذا الإمام كيف نقل الإجماع على هذه المسألة كما نقله في زمانه قتيبة المذكور. انتهى.
وروى الذهبى في كتاب "العلو" بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة - رحمهما الله تعالى - عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان عن ذلك. فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا، فكان من مذهبهم أن الله - ﵎ - على عرشه، بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف
_________________
(١) سورة طه الآية ٥
(٢) سورة المجادلة الآية ٧
(٣) سورة المجادلة الآية ٧
(٤) سورة طه الآية ٥
[ ١٢ / ١٤٨ ]
﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١) ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). انتهى. وقد ذكره ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، ثم قال: وهذان الإمامان إماما أهل الدين، وهما من نظراء أحمد والبخاري - رحمهم الله تعالى -.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب " النقض " على بشر المريسي: قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته. وقال أيضا: إن الله تعالى فوق عرشه، يعلم ويسمع من فوق العرش، لا تخفى عليه خافية من خلقه، ولا يحجبهم عنه شيء. انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب " العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية".
وذكر ابن القيم أيضا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية " عن حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وإسحاق أنه قال: والماء فوق السماء السابعة، والعرش على الماء، والله على العرش. قال ابن القيم: هذا لفظه في مسائله، وحكاه إجماعا لأهل السنة من سائر أهل الأمصار. انتهى.
وقال أبو بكر محمد بن الحسين الأجري في كتاب "الشريعة" باب التحذير من مذاهب الحلولية، ثم ذكر عنهم أنهم يحتجون لمذهبهم بقول الله تعالى في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٣) وبقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٥) قال: فلبسوا على السامع بما تأولوا، وفسروا القرآن على ما تهوى أنفسهم، فضلوا وأضلوا. قال: والذي يذهب إليه أهل العلم أن الله - ﷿ - على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط علمه بجميع ما خلق في السماوات العلى، وبجميع ما في سبع أرضين وما بينهما وما تحت الثرى. يسمع ويرى. لا يعزب عن الله مثقال ذرة في السماوات والأرضين وما بينهن إلا وقد أحاط علمه به. فهو على عرشه - سبحانه - العلي الأعلى، يرفع إليه أعمال العباد، وهو أعلم بها من الملائكة الذين يرفعونها بالليل والنهار.
_________________
(١) سورة الطلاق الآية ١٢
(٢) سورة الشورى الآية ١١
(٣) سورة المجادلة الآية ٧
(٤) سورة الحديد الآية ٣
(٥) سورة الحديد الآية ٤
[ ١٢ / ١٤٩ ]
فإن قال قائل: فأي شيء معنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ (١) الآية التي يحتجون بها.
_________________
(١) سورة المجادلة الآية ٧
[ ١٢ / ١٤٩ ]
قيل: علمه ﷿. والله على عرشه، وعلمه محيط بهم وبكل شيء من خلقه. كذا فسره أهل العلم. والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم، قال الله - ﷿ -: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، فابتدأ ﷿ الآية بالعلم وختمها بالعلم، فعلمه محيط بجميع خلقه، وهو على عرشه، وهذا قول المسلمين.
قال: وفي كتاب الله - ﷿ - آيات تدل على أن الله - ﷿ - في السماء على عرشه محيط بجميع خلقه - وذكر آيات في ذلك وقد ذكرتها فيما تقدم - ثم قال: "باب ذكر السنن التي دلت العقلاء على أن الله - ﷿ - على عرشه فوق سبع سماواته، وعلمه محيط بكل شيء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وذكر أحاديث كثيرة في ذلك، وقد ذكرتها فيما تقدم، ثم قال: فهذه السنن قد اتفقت معانيها، ويصدق بعضها بعضا، وكلها تدل على ما قلنا أن الله - ﷿ - على عرشه فوق سماواته، وقد أحاط علمه بكل شيء، وأنه سميع بصير خبير. انتهى المقصود من كلامه ملخصا. وقد نقل الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" بعض كلام الآخر مختصرا إلى قوله: وهذا قول المسلمين.
وقال الإمام الزاهد أبو عبد الله بن بطة العابري - شيخ الحنابلة - في كتابه "الإبانة" باب الإيمان بأن الله على عرشه، بائن من خلقه وعلمه، محيط بجميع خلقه، أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين أن الله على عرشه فوق سماواته، بائن من خلقه. فأما قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (٣) فهو كما قالت العلماء. علمه. وأما قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ (٤) معناه أنه هو الله في السماوات، وهو الله في الأرض إله، وتصديقه في كتاب الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٥)، واحتج الجهمي بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٦) فقال: إن الله معنا وفينا، وقد فسر العلماء أن ذلك علمه. غ قال تعالى في آخرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧) انتهى.
وقد نقله عنه الذهبي في كتاب "العلو" وقال: ثم إن ابن بطة سرد بأسانيده أقوال من قال: إنه علمه، وهم
_________________
(١) سورة المجادلة الآية ٧
(٢) سورة المجادلة الآية ٧
(٣) سورة الحديد الآية ٤
(٤) سورة الأنعام الآية ٣
(٥) سورة الزخرف الآية ٨٤
(٦) سورة المجادلة الآية ٧
(٧) سورة العنكبوت الآية ٦٢
[ ١٢ / ١٥٠ ]
الضحاك والثوري ونعيم بن حماد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وذكر ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني أنه ذكر في كتابه المفرد في السنة تقرير العلو، واستواء الرب - تعالى - على عرشه بذاته أتم تقرير فقال: " فصل " فما عليه الأمة من أمور الديانة من السنن التي خلافها بدعة وضلالة، أن الله - ﷾ - له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لم يزل بجميع صفاته، ثم ذكر جملة من الصفات، ومنها: أنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، ثم ذكر سائر العقيدة وقال في آخرها: وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث، وكله قول مالك. انتهى المقصود من كلامه.
وذكر ابن القيم أيضا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن أبي عبد الله محمد بن أبي زمنين أنه قال في كتابه الذي صنفه في أصول السنة: ومن قول أهل السنة أن الله - ﷿ - خلق العرش، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه. قال: ومن قول أهل السنة أن الله بائن من خلقه، محتجب عنهم بالحجب. انتهى. وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى".
وذكر ابن القيم أيضا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن إمام الشافعية في وقته سعد بن علي الزنجاني أنه قال: أجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى، وأن لله علو الغلبة والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو، فثبت بذلك أن لله علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة. انتهى.
وذكر ابن القيم أيضا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي أنه قال في كتاب "الحجة": قال علماء السنة: إن الله - ﷿ - على عرشه بائن من خلقه، وقال أيضا: أجمع المسلمون أن الله سبحانه العلي الأعلى. قال: فنثبت أن لله تعالى علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة. انتهى.
وقال أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتاب "الإبانة" ما ملخصه: فإن قيل: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله. بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه
[ ١٢ / ١٥١ ]
فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢) وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (٣)، قال: ولو كان في كل مكان، لكان يصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. انتهى.
وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى"، ونقله الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" وأقروه.
_________________
(١) سورة طه الآية ٥
(٢) سورة فاطر الآية ١٠
(٣) سورة الملك الآية ١٦
[ ١٢ / ١٥٢ ]
وقال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني مصنف "حلية الأولياء في كتاب الاعتقاد" له: طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة، وإجماع الأمة. ومما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت في العرش، واستواء الله عليه، يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه. انتهى.
وقد نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، والذهبي في كتاب "العلو" ثم قال: فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول ولله الحمد.
ونقل ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" قوله: طريقنا طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال: وساق ذكر اعتقادهم، ثم قال: ومما اعتقدوه أن الله في سمائه دون أرضه. انتهى.
وقال أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الصابوني في رسالته في السنة: ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سماواته على عرشه كما نطق به كتابه، وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته. انتهى، وقد نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، والذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية " وأقروه.
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب "التمهيد" لما تكلم على حديث النزول في صفحة ١٢٨ وما بعدها من الجزء السابع، قال: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته. وفيه دليل على أن الله - ﷿ - في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله - ﷿ - في كل مكان، وليس على العرش، إلى أن قال: ومن الحجة في أنه
[ ١٢ / ١٥٢ ]
﷿ على العرش فوق السماوات السبع، أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة؛ رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم - ﵎ -، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم.
قال: وأما احتجاجهم بقوله ﷿: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١) فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التآويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله.
ذكر سنيد عن مقاتل بن حيان عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢) الآية. قال: هو على عرشه، وعلمه معهم أين ما كانوا، قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله. انتهى.
وقد نقل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - جملة من كلامه، وتقدم ذكرها، وكذلك الذهبي فإنه نقل بعض كلام ابن عبد البر في كتاب " العلو"، ونقله أيضا ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وأقره كل منهم.
وفيما ذكره ابن عبد البر من الموحدين أنهم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة؛ رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم، أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، ولو كان الأمر على ما زعمه القائل على الله بغير علم، لكان الرب مع أهل الأرض بذاته، فلا يضطرون إلى رفع رءوسهم إلى السماء عند الكرب ونزول الشدائد، بل يوجهون وجوههم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم.
وهذا معلوم البطلان بالضرورة عند كل مؤمن يعلم أن الله تعالى فوق جميع المخلوقات، وأنه مستو على عرشه، بائن من خلقه.
ومن أبلغ الرد أيضا على من زعم أن معية لله لخلقه معية ذاتية، ما ذكر ابن عبد البر عن علماء الصحابة والتابعين أنهم قالوا في تأويل قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٣) قالوا: هو على العرش، وعلمه في كل مكان. قال: وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله.
وقال الشيخ الموفق أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد" بعد أن ذكر قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) وقوله:
_________________
(١) سورة المجادلة الآية ٧
(٢) سورة المجادلة الآية ٧
(٣) سورة المجادلة الآية ٧
(٤) سورة طه الآية ٥
[ ١٢ / ١٥٣ ]
﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (١) وقول النبي ﷺ للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء. قال: أعتقها فإنها مؤمنة (٢)»، وقوله: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك،» وقوله لحصين بن عبيد والد عمران بن حصين: «كم إلها تعبد؟ قال: سبعة. ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: من لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: فاترك الستة واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين» الحديث، وذكر أيضا حديث الأوعال، وفي آخره: وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك، ثم قال: فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف - ﵏ - على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده، ولا تأويله، ولا تشبيهه، ولا تمثيله. انتهى.
وقال الموفق أيضا في كتاب "إثبات صفة العلو": أما بعد، فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء ﵊، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار في ذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله - ﷿ - عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزا في طبائع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون عندها للدعاء أيديهم، وينتظرون مجيء الفرج من ربهم سبحانه، وينطقون بذلك بألسنتهم.
لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته. انتهى، وقد نقله ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وفيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
_________________
(١) سورة الملك الآية ١٦
(٢) صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (٥٣٧)، سنن النسائي السهو (١٢١٨)، سنن أبو داود الصلاة (٩٣٠)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٤٤٧)، سنن الدارمي الصلاة (١٥٠٢).
[ ١٢ / ١٥٤ ]