فصل
وأما مخالفة صاحب المقال لكتاب الله تعالى، فإن الله - ﵎ - ذكر استواءه على العرش في سبعة مواضع من القرآن. الموضع الأول: قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١).
الموضع الثاني: قوله تعالى في سورة يونس:١٣٥ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢).
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ٥٤
(٢) سورة يونس الآية ٣
[ ١٢ / ١٣٤ ]
الموضع الثالث: قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١). الموضع الرابع: قوله تعالى في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢).
الموضع الخامس: قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٣). الموضع السادس قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٤).
الموضع السابع: قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٥).
والنص على استواء الرب - ﵎ - على العرش - الذي هو فوق جميع المخلوقات - ينافي كونه مع سكان الأرض بذاته. وفي كل من هذه الآيات السبع أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
ومما يرد به أيضا على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية قول الله تعالى مخبرا عن الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٦). وإذا كان الرب - ﵎ - فوق الملائكة - الذين هم سكان السماوات - ولم يكن معهم بذاته فكيف يقال: إن معيته - لخلقه- أي الذين في الأرض- معية ذاتية؟ هذا قول ظاهر البطلان.
ومما يرد به عليه أيضا قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٩)، وقوله تعالى:١٣٦ ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ (١٠) ﴿إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (١١)،
_________________
(١) سورة الرعد الآية ٢
(٢) سورة طه الآية ٥
(٣) سورة الفرقان الآية ٥٩
(٤) سورة السجدة الآية ٤
(٥) سورة الحديد الآية ٤
(٦) سورة النحل الآية ٥٠
(٧) سورة الأنعام الآية ١٨
(٨) سورة الأنعام الآية ٦١
(٩) سورة الأعلى الآية ١
(١٠) سورة الليل الآية ١٩
(١١) سورة الليل الآية ٢٠
[ ١٢ / ١٣٥ ]
وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٨)، ومثلها الآية في سورة لقمان، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (٩)، فقد وصف الرب - ﵎ - نفسه في هذه الآيات بصفة العلو المطلق، وهو يشمل علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، ولا يخفى على من له عقل وعلم أن صفة علو الذات تنافي المعية الذاتية للخلق أعظم المنافاة.
ومما يرد به عليه أيضا قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (١٠) ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ (١١) الآية. قال البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " في الكلام على قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (١٢) أراد من فوق السماء كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١٣)، بمعنى على جذوع النخل.
وقال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ (١٤)، أي على الأرض. وكل ما علا فهو سماء. والعرش
_________________
(١) سورة الرعد الآية ٩
(٢) سورة غافر الآية ١٥
(٣) سورة البقرة الآية ٢٥٥
(٤) سورة الشورى الآية ٤
(٥) سورة الشورى الآية ٥١
(٦) سورة النساء الآية ٣٤
(٧) سورة سبأ الآية ٢٣
(٨) سورة الحج الآية ٦٢
(٩) سورة غافر الآية ١٢
(١٠) سورة الملك الآية ١٦
(١١) سورة الملك الآية ١٧
(١٢) سورة الملك الآية ١٦
(١٣) سورة طه الآية ٧١
(١٤) سورة التوبة الآية ٢
[ ١٢ / ١٣٦ ]
أعلى السماوات فمعنى الآية أأمنتم من على العرش كما صرح به في سائر الآيات. قال: وفيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية أن الله بذاته في كل مكان. وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) إنما أراد بعلمه، لا بذاته، انتهى. وقد نقله عنه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في القاعدة المراكشية، وأقره وهو في صفحة ١٩٢ - ١٩٣ من المجلد الخامس من مجمع الفتاوى.
وقال القرطبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) قال المحققون: أأمنتم من فوق السماء كقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ (٣) أي فوقها، انتهى.
ومن الآيات التي يرد بها على من زعم أن معية ذاتية قول الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (١٠)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ (١١)، وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (١٢) ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (١٣).
والآيات في إنزال القرآن من الله
_________________
(١) سورة الحديد الآية ٤
(٢) سورة الملك الآية ١٦
(٣) سورة التوبة الآية ٢
(٤) سورة فاطر الآية ١٠
(٥) سورة السجدة الآية ٥
(٦) سورة المعارج الآية ٤
(٧) سورة آل عمران الآية ٥٥
(٨) سورة النساء الآية ١٥٨
(٩) سورة النحل الآية ١٠٢
(١٠) سورة المائدة الآية ٤٤
(١١) سورة الأنعام الآية ٩١
(١٢) سورة آل عمران الآية ٣
(١٣) سورة آل عمران الآية ٤
[ ١٢ / ١٣٧ ]
تعالى كثيرة جدا. وفيها مع ما ذكرته هاهنا من الآيات دليل على علو الرب - ﵎ - فوق خلقه. وفيها أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
[ ١٢ / ١٣٨ ]