قرار رقم ٨٥ وتاريخ ١١/ ١١ / ١٤٠١هـ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
ففي الدورة السابعة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض في شهر رجب عام ١٤٠١ هـ، اطلع المجلس على كتاب جلالة الملك خالد بن عبد العزيز - حفظه الله - الذي بعثه إلى سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وإلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، يطلب فيه جلالته دراسة موضوعين هامين فيهما إفساد للأخلاق وإخلال بالأمن:
أحدهما: قيام بعض المجرمين بحوادث السطو والاختطاف داخل المدن وخارجها بقصد الاعتداء على العرض أو النفس أو المال.
الثاني: تعاطي المسكرات والمخدرات على اختلاف أنواعها، وترويجها وتهريبها، مما سبب كثرة استعمالها، وإدمان بعض المنحرفين على تعاطيها حتى فسدت أخلاقهم، وذهبت معنوياتهم وقاموا بحوادث جنائية.
وذكر جلالته أنه لا يقضي على هذه الأمور إلا عقوبات فورية رادعة، في حدود ما تقتضيه الشريعة الإسلامية المطهرة؛ لأن إطالة الإجراءات في مثل هذه المسائل يسبب تأخير تنفيذ الجزاء ونسيان الجريمة.
وقد أحاله سماحتهما إلى المجلس للقيام بالدراسة المطلوبة، ولما نظر المجلس في الموضوع رأى أنه ينبغي دراسته دراسة وافية متأنية، وأن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا فيه، ثم يناقش في الدورة الثامنة عشر- وأصدر قراره رقم ٨٣ وتاريخ ٢٣/ ٧ / ١٤٠١ هـ يتضمن الوصية بالتعميم على الدوائر المختصة بمكافحة الجرائم، والتحقيق فيها، ودوائر القضاء، بأن يهتم المختصون في تلك الدوائر بإعطاء هذه الجرائم أولوية في النظر والإنجاز، وأن يولوها اهتماما بالغا من الإسراع الذي لا يخل بما يقتضيه العمل من إتقان.
وفي الدورة الثامنة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف من ٢٩/ ١٠ / ١٤٠١ هـ حتى ١١/ ١١ / ١٤٠١ هـ نظر المجلس في الموضوع واطلع على البحث
[ ١٢ / ٧٥ ]
الذي أعدته اللجنة الدائمة، وبعد المناقشة المستفيضة وتداول الرأي انتهى المجلس إلى ما يلي:
أولا: ما يتعلق بقضايا السطو والخطف:
لقد اطلع المجلس على ما ذكره أهل العلم من أن الأحكام الشرعية تدور من حيث الجملة على وجوب حماية الضروريات الخمس، والعناية بأسباب بقائها مصونة سالمة، وهي الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال، وقدر تلك الأخطار العظيمة التي تنشأ عن جرائم الاعتداء على حرمات المسلمين في نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم، وما تسببه من التهديد للأمن العام في البلاد والله - ﷾ - قد حفظ للناس أديانهم، وأبدانهم، وأرواحهم، وأعراضهم وعقولهم؛ بما شرعه من الحدود والعقوبات التي تحقق الأمن العام والخاص، وأن تنفيذ مقتضى آية الحرابة، وما حكم به ﷺ في المحاربين، كفيل بإشاعة الأمن والاطمئنان، وردع من تسول له نفسه الإجرام والاعتداء على المسلمين؛ إذ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن أنس ﵁ قال: «قدم رهط من عكل على النبي ﷺ، كانوا في الصفة فاجتووا المدينة فقالوا: يا رسول الله أبغنا رسلا. فقال: ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله ﷺ. فأتوها فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا وسمنوا؛ وقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، فأتى النبي ﷺ الصريخ، فبعث الطلب في آثارهم، فما ترجل النهار حتى أتي بهم، فأمر بمساير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم، وما حسمهم، ثم ألقوا في الحرة يستسقون فما سقوا حتى ماتوا (٢)». قال أبو قلابة: سرقوا وقتلوا وحاربوا الله ورسوله. اهـ.
وبناء على ما تقدم فإن المجلس يقرر الأمور التالية:
أ- إن جرائم الخطف والسطو لانتهاك حرمات المسلمين على سبيل المكابرة والمجاهرة من ضروب المحاربة والسعي في الأرض فسادا، المستحقة للعقاب الذي ذكره الله سبحانه في آية المائدة، سواء وقع ذلك على النفس أو المال أو العرض، أو أحدث إخافة السبيل
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٣٣
(٢) صحيح البخاري الحدود (٦٨٠٤)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (١٦٧١)، سنن الترمذي الطهارة (٧٢)، سنن النسائي تحريم الدم (٤٠٣١)، سنن أبو داود الحدود (٤٣٦٤)، سنن ابن ماجه الحدود (٢٥٧٨)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ١٠٧).
[ ١٢ / ٧٦ ]
وقطع الطريق، ولا فرق في ذلك بين وقوعه في المدن والقرى أو في الصحاري والقفار، كما هو الراجح من آراء العلماء - رحمهم الله تعالى -.
قال ابن العربي يحكي عن وقت قضائه: رفع إلي قوم خرجوا محاربين إلى رفقة؛ فأخذوا منهم امرأة مغالبة على نفسها من زوجها، ومن جملة المسلمين معه فيها، فاحتملوها، ثم جد فيهم الطلب فأخذوا وجيء بهم، فسألت من كان ابتلاني الله به من المفتين؟ فقالوا: ليسوا محاربين؛ لأن الحرابة إنما تكون في الأموال لا في الفروج، فقلت لهم: إنا لله وإنا إليه راجعون، ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال، وأن الناس كلهم ليرضون أن تذهب أموالهم، وتحرب من بين أيديهم، ولا يحرب المرء من زوجته وبنته؟ ولو كان فوق ما قال الله عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج ا. هـ.
ب- يرى المجلس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ (١) أن (أو) للتخيير كما هو الظاهر من الآية الكريمة. وقول كثيرين من المحققين من أهل العلم - ﵏ -.
جـ- يرى المجلس بالأكثرية أن يتولى نواب الإمام- القضاة - إثبات نوع الجريمة والحكم فيها، فإذا ثبت لديهم أنها من المحاربة لله ورسوله والسعي في الأرض فسادا؛ فإنهم مخيرون في الحكم فيها بالقتل، أو الصلب، أو قطع اليد والرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، بناء على اجتهادهم، مراعين واقع المجرم، وظروف الجريمة وأثرها في المجتمع، وما يحقق المصلحة العامة للإسلام والمسلمين إلا إذا كان المحارب قد قتل؛ فإنه يتعين قتله حتما كما حكاه ابن العربي المالكي إجماعا، وقال صاحب الإنصاف من الحنابلة: " لا نزاع فيه ".
ثانيا: ما يتعلق بقضايا المسكرات والمخدرات:
نظرا إلى أن للمخدرات آثارا سيئة على نفوس متعاطيها، وتحملهم على ارتكاب جرائم الفتك وحوادث السيارات والجري. وراء أوهام تؤدي إلى ذلك، وأنها توجد طبقة من المجرمين شأنهم العدوان، وأنها تسبب حالة من المرح والتهيج مع اعتقاد متعاطيها أنه قادر على كل شيء، فضلا عن اتجاهه إلى اختراع أفكار وهمية تحمله على ارتكاب الجريمة، كما أن
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٣٣
[ ١٢ / ٧٧ ]
لها آثارا ضارة بالصحة العامة، وقد تؤدي إلى الخلل في العقل والجنون، وحيث إن أصحاب هذه الجرائم فريقان:
أحدهما: من يتعاطاها للاستعمال فقط، فهذا يجري في حقه الحكم الشرعي للسكر، فإن أدمن على تعاطيها ولم يجد في حقه إقامة الحد؛ كان للحاكم الشرعي الاجتهاد في تقرير العقوبة التعزيرية الموجبة للزجر والردع ولو بقتله.
الثاني: من يروجها سواء كان ذلك بطريق التصنيع أو الاستيراد بيعا وشراء أو إهداء، ونحو ذلك من ضروب إشاعتها ونشرها، فإن كان ذلك للمرة الأولى فيعزر تعزيرا بليغا بالحبس، أو الجلد، أو الغرامة المالية، أو بها جميعا حسبما يقتضيه النظر القضائي، وإن تكرر منه ذلك فيعزر بما يقطع شره عن المجتمع ولو كان ذلك بالقتل؛ لأنه بفعله هذا يعتبر من المفسدين في الأرض، وممن تأصل الإجرام في نفوسهم، وقد قرر المحققون من أهل العلم أن القتل ضرب من التعزير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل، مثل قتل المفرق لجماعة المسلمين الداعي للبدع في الدين إلى أن قال: «وأمر النبي ﷺ بقتل رجل تعمد الكذب عليه» وسأله ابن الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر، فقال: «من لم ينته عنها فاقتلوه (١)». وفي موضع آخر قال ﵀ في تعليل القتل تعزيرا ما نصه: وهذا لأن المفسد كالصائل، وإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل (٢).
ثالثا: نظرا إلى أن جرائم الخطف والسطو وتعاطي المسكرات والمخدرات على سبيل الترويج لها من القضايا الهامة التي قد يحكم فيها بالقتل تعزيرا؛ فإنه ينبغي أن تختص بنظرها المحاكم العامة، وأن تنظر من ثلاثة قضاة كما هو الحال في قضايا القتل والرجم، وأن ترفع للتمييز ثم للمجلس الأعلى للقضاء لمراجعة الأحكام الصادرة بخصوصها؛ براءة للذمة واحتياطا لسفك الدماء.
رابعا: ما يتعلق بالنواحي الإدارية:
نظرا لما لاحظه المجلس من كثرة وقوع جرائم القتل والسطو والخطف وتناول المخدرات
_________________
(١) مجموع الفتاوى جـ ٢٨ ص ٢٠٩.
(٢) مجموع الفتاوى جـ ٢٨ ص ٣٤٧
[ ١٢ / ٧٨ ]
والمسكرات وضرورة اتخاذ إجراءات وتدابير وقائية تعين على ما تهدف إليه حكومة جلالة الملك - حفظه الله - من استتباب الأمن وتقليل الحوادث فإنه يوصي بالأمور التالية:
١ - ستقوم الحكومة وفقها الله بتقوية أجهزة الإمارات ورجال الأمن، وخاصة في كون المسئولين فيها من الرجال المعروفين بالدين والقوة والأمانة، ويشعر كل أمير ناحية بأنه المسئول الأول من ناحية حفظ الأمن في البلاد التي تقع تحت إمارته، وأن على الشرطة ورجال الإمارات الجد والاجتهاد في سبيل تأدية واجباتهم، والقيام بمتابعة الجميع ومعاقبة المقصر في أداء واجبه بما يكفي لردع أمثاله.
٢ - تؤكد الدولة - وفقها الله - على الإمارات بأنه إذا وقعت جريمة القتل أو السطو أو الاعتداء على العرض ونحو ذلك من الجرائم المخلة بالأمن؛ فإن إمارة الجهة التي وقعت فيها مسئولة عن القضية من ابتدائها حتى يتم تنفيذ مقتضى الحكم الصادر فيها، فتقوم ببذل جميع الأسباب والوسائل للقبض على الجاني وسرعة إنهاء الإجراءات الضرورية مادامت لديها، ثم تتابعها وتكلف مندوبا من جهتها يقوم بالتعقيب عليها لدى الجهات الأخرى، ويطلب من كل أمير ناحية أن يكتب تقريرا عن القضية بعد انتهائها وتنفيذ الحكم الصادر فيها يبين سيرها وملاحظاته بشأنها.
٣ - يرى المجلس تأليف لجنة من مندوبين، أحدهما من وزارة الداخلية، والثاني من وزارة العدل؛ لدراسة مجرى المعاملات الجنائية والروتين الذي تمر به، والبحث عن الطريقة المثلى لذلك مما لا يؤثر على الإجراءات الضرورية في التحقيق والنظر القضائي.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رئيس الدورة
عبد العزيز بن صالح
عبد الله خياط عبد الله بن حميد عبد العزيز بن عبد الله بن باز
عبد المجيد حسن محمد بن علي الحركان عبد الرزاق عفيفي
محمد بن جبير إبراهيم بن محمد آل الشيخ سليمان بن عبيد
عبد الله بن غديان صالح بن غصون راشد بن خنين
عبد الله بن قعود عبد الله بن منيع صالح بن لحيدان
[ ١٢ / ٧٩ ]