فصل
وقد تعلق المردود عليه بجمل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن رجب، وليس في شيء منها ما يؤيد زعمه أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإن توهم المردود عليه أو توهم غيره أن في شيء منها تأييدا لقوله الباطل، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين على أن الله تعالى على العرش، وعلمه في كل مكان، وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) ونحو ذلك في القرآن، أن ذلك علمه، وأن الله تعالى فوق
_________________
(١) سورة الحديد الآية ٤
[ ١٢ / ١٩٣ ]
السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أكابر العلماء، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن القيم عن غير واحد من الأئمة، وتقدم ذكر ذلك في أول الكتاب، وما خالف الإجماع من الأقوال فهو مردود على قائله كائنا من كان.
وإذا علم هذا، فمن الجمل التي تعلق بها المردود عليه قول شيخ الإسلام ابن تيمية في صفحة ٣ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى، أن كلمة (مع) إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة، أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، قال: فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة، ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها: أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف أنه معهم بعلمه. وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته.
والجواب أن يقال: ليس في هذه الجملة ما يتعلق به من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنما فيها الرد عليه؛ لأن شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - قد صرح أن المعية المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣) قد دل ظاهر الخطاب على أن حكمها ومقتضاها أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، قال: وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه، قال: وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. انتهى.
فأما القول بالمعية الذاتية، فإنما هو من أقوال الحلولية من الجهمية، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، وتقدم كلامه في أول الكتاب، فليراجع.
_________________
(١) سورة الحديد الآية ٤
(٢) سورة الحديد الآية ٤
(٣) سورة الحديد الآية ٤
[ ١٢ / ١٩٤ ]
الجملة الثانية من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قول شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب له في صفحة ٢٣١ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى: فهو سبحانه مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم، - إلى أن قال: - فإنه عالم بعباده، وهو معهم أين ما كانوا، وعلمه بهم من لوازم المعية، ثم قال: فمدلول اللفظ مراد منه، وقد أريد أيضا لازم ذلك المعنى، فقد أريد ما يدل عليه اللفظ في أصل اللغة بالمطابقة وبالالتزام، فليس اللفظ مستعملا في اللازم فقط، بل أريد به مدلوله الملزوم، وذلك حقيقة.
[ ١٢ / ١٩٤ ]
والجواب أن يقال: إن المردود عليه قد اختصر كلام شيخ الإسلام، وترك جملة من أوله فيها بيان المراد من كلامه في المعية، وأنها معية العلم؛ لعموم العباد ومعية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه، وهذا نص كلام شيخ الإسلام قال: وأما القسم الرابع فهم سلف الأمة، وأئمتها أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة، فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم، أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه، بائن خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضا مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضا قريب مجيب، ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم.
وكان النبي ﷺ يقول: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل (١)»، فهو سبحانه مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم - إلى أن قال: - فالله تعالى عالم بعباده، وهو معهم أين ما كانوا، وعلمه بهم من لوازم المعية. انتهى.
وفي قوله: إن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وأنه مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد، والكفاية أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وكذلك قوله: إن في آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم. فيه أيضا رد عليه.
وأما المعية المذكورة في قوله: فهو مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، فهي معية الاطلاع والحفظ والكفاية، وليست معية ذاتية كما قد توهم ذلك المردود عليه. وقد أوضح ذلك شيخ الإسلام بقوله: ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم. ومن تأمل كلام شيخ الإسلام في المعية وجده يدور على أنها معية العلم والإحاطة، والاطلاع، والسماع، والرؤية لعموم الخلق، وأن لله معية خاصة مع أنبيائه وأوليائه، وهي معية النصر والتأييد والكفاية.
_________________
(١) صحيح مسلم الحج (١٣٤٢)، سنن الترمذي الدعوات (٣٤٤٧)، سنن أبو داود الجهاد (٢٥٩٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٥٠)، سنن الدارمي الاستئذان (٢٦٧٣).
[ ١٢ / ١٩٥ ]
الجملة الثالثة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قول شيخ الإسلام ابن تيمية في "العقيدة الواسطية": وهل هذا الكلام الذي ذكره تعالى من أنه فوق العرش، وأنه معنا، حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف. وقال في الفصل الذي يليه: وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علي في دنوه، قريب في علوه.
[ ١٢ / ١٩٥ ]
والجواب أن يقال: إن شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - لم يقل: إن معية الله لخلقه معية ذاتية حتى يكون للمردود عليه تعلق بكلامه، وقد تقدم في الجواب عن الجملة الثانية ما نقله شيخ الإسلام عن سلف الأمة وأئمتها، أنهم أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وأنه مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وأن في آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم، فكلام شيخ الإسلام "في الفتاوى" يوضح كلامه في "العقيدة الواسطية"، ويبين أنه أراد بالمعية معية العلم، ولم يرد المعية الذاتية التي تستلزم مخالطة الخلق في كل مكان.
وأما قول شيخ الإسلام: وهو علي في دنوه، قريب في علوه، فمراده بالدنو نزول الرب - ﵎ - إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، كما جاء ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ. وكذلك دنوه من أهل الموقف عشية عرفة، فقد جاء في حديث مرفوع أن الله تعالى يهبط إلى سماء الدنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة. وليس في نزول الرب - ﵎ - إلى السماء الدنيا في آخر الليل، وفي عشية عرفة، ودنوه من خلقه ما يقتضي أن تكون معيته لهم معية ذاتية، وليس في كلام شيخ الإسلام ما يدل على ذلك، وقد ذكرت كلامه في المعية مما ذكره في الفتاوى وغيرها من كتبه، وما نقله من إجماع المسلمين من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه. فليراجع ما تقدم من النقول عنه؛ ففيها كفاية في الرد على من توهم من كلامه في "العقيدة الواسطية" خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون في المعية، وأنها معية العلم وليست معية ذاتية.
_________________
(١) سورة الحديد الآية ٤
[ ١٢ / ١٩٦ ]