ومن مزاعم الصوفية الغريبة التي لا تنطلي إلا على من باع عقله في سوق التصوف أن لهم ديوانا باطنيا، ومقرا بغار حراء، ورئيس الديوان هو الغوث الذي تقدم ذكره. وهو هنا بمثابة رئيس القضاة، لأن هذا الديوان مركز للقضاء الكوفي يحضره الأحياء والأموات من الأولياء. وقد تحضره الملائكة والأنبياء، ويذكر بعضهم أن النبي الكريم يحضر هذا الديوان أحيانا ومعه عدد من آل البيت.
وأما كيف يتم هذا الحضور للأحياء والأموات من الملائكة والأنبياء والأولياء كيف يسعهم الغار؟ أو المكان الذي أمام الغار، وهو الجبل الذي فيه الغار نفسه يسعهم؟!! هذه الأسئلة غير واردة لأن مثل هذا الهذيان من الكلام غير الواقعي إنما يحكى ولا يتحقق، وهذا ديدن القوم، لأنهم يغربون دائما، وهذا الإغراب مقصود عندهم وهو مقبول عند الغوغائيين، وهو ميدان عملهم، وأما غيرهم فيخفون عنهم هذه الأسرار إن استطاعوا أو يبتعدون عنهم، بل يعادونهم كما تقدم.
وهناك رواية أخرى تقول: إن المجلس الذي يسمى ديوانا في لغتهم إنما ينعقد في القاهرة في فضاء صغير خلف (زويلة المتولي) وهو المكان الذي يستطب فيه كثير من المصابين بأمراض مختلفة، إذ تنهطل البركات والرحمات مجلوبة بسر ذلك الكائن المجهول الذي يقيم هناك مختفيا عن الأنظار، وهو الغوث ليرأس المجلس، وهو لا يسأل عنه ولا
[ ١٢ / ٢٨٧ ]
يبحث عن وجوده الفعلي، وإنما الواجب الإيمان بوجوده السري. هكذا يزين الشيطان لمشايخ الصوفية وأتباعهم مثل هذه الأسطورة، وأما ماذا يفعل المؤتمرون في هذا الديوان؟!
يجيب على هذا السؤال مشايخ الصوفية قائلين: إنهم ينظرون في أقدار الله ثم يحكم فيها الأقطاب تحت إشراف الغوث دون أن يرد لهم أي حكم أصدروه من ذلك الديوان في الأرزاق والآجال، بل حتى في خواطر الناس بحيث لا يهجس في خاطر أحد شيء إلا بإذن الأقطاب.
وبعد: إذا كان هذا الديوان الذي يرأسه الغوث هو الذي ينظر في شئون الخلق ويصدر أحكاما لا ترد، فما الذي بقي لله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير، وهو الفعال لما يريد، وهو الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون، أما هذه فعقيدة المسلمين الذين سلموا من وثنية التصوف، ولذا فأقول مكررا ما قلته سابقا: إن وثنية التصوف وجاهليتهم أقبح بكثير من وثنية أبي جهل وزملائه وجاهليتهم علما بأن ما ذكرته من تصرفات الصوفية وأعمالهم قطرة صغيرة من بحار كفرهم وجاهليتهم وظلمهم ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ (١)، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ (٢).
فهل يجوز بعد هذا كله أن يقال: إن التصوف من الإسلام، أو أن يزعم زاعم أن مشايخ الصوفية دخل على أيديهم في الإسلام خلق كثير من الأفارقة والآسيويين؟ وهذه أسطورة. كالأساطير التي تقدم الحديث عنها مثل أسطورة الديوان وأسطورة الأقطاب والأوتاد مثلا.
فعلى الذين يزعمون هذه المزاعم أن يراجعوا معلوماتهم في الصوفية، وفي دخول الإسلام في القارتين، وفي الواقع أن كل ما فعل مشايخ الصوفية في القارتين وغيرهما أنهم
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٦٨
(٢) سورة الأنعام الآية ٩٣
[ ١٢ / ٢٨٨ ]
نقلوا بعض الوثنيين الذين كانوا يعبدون الأوثان من الأشجار والأحجار ويتبركون بها، نقلوهم من عبادة تلك الأوثان إلى عبادة مشايخهم الأحياء منهم والأموات، ومعنى ذلك أنهم نافسوا الأوثان وهي من الجمادات وغلبوها وحولوا العبادة لمشايخهم فصار الوثنيون - فهم لا يزالون وثنيين قطعا - يعبدونهم ويقدسونهم ويقدمون لهم النذور ويذبحون لهم الذبائح، فهل يقال لأمثال هؤلاء: إنهم دخلوا في الإسلام؟! الجواب: (لا) قطعا وإنما الصواب أن يقال: إنهم تطوروا في وثنيتهم حيث أصبحوا يمرون على تلك الأشجار التي كانوا يعبدونها فلا يلتفتون إليها، بل إنهم استطاعوا أن يقطعوا لهم منها الحطب وأخشابا لتسقيف بيوتهم مثلا، وقد كان يعد من ضرب المستحيلات سابقا، وبسبب تطوير مشايخ الصوفية وثنيتهم استطاعوا أن يدركوا أن تلك الأشجار وهي من الجمادات لا تنفع ولا تضر فلا تستحق العبادة لأنها عاجزة لا تخلق ولا ترزق ولا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا. ولكن الذي لم يفطنوا له بعد أن الأوثان الناطقة من مشايخ الصوفية وسماسرتهم هي الضر. ولو فطن عباد مشايخ الصوفية لهذه النقطة لما مكثوا عندهم في ذلك العذاب الشديد عذاب الذل والهوان والانقطاع عن الله رب العالمين، وقد حالت بينهم وبين عبادة الله التي خلقوا من أجلها وهم قطاع الطريق استولوا على عقول الناس واستعبدوهم ظلما وعدوانا.
هذا، وإذا كنا قد حكمنا على وثنية مشايخ الصوفية وجاهليتهم أنها أقبح من وثنية وجاهلية أبي جهل وقومه.
فمن الإنصاف أن نورد ما يدل على صحة ما قلنا من آيات الكتاب المبين حتى نتصور نوع شركهم، ليكون حكمنا صادقا وعادلا، والحكم الذي تدعمه أدلة الكتاب والسنة هو الحكم العادل الذي يجب الأخذ به، ولكي يدرك القارئ بالمقارنة المحق والمبطل، يقول الله تعالى لنبيه - وقد عانده قومه فأبوا إلا الإشراك بالله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٣) ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (٤) ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥) ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (٦).
_________________
(١) سورة المؤمنون الآية ٨٤
(٢) سورة المؤمنون الآية ٨٥
(٣) سورة المؤمنون الآية ٨٦
(٤) سورة المؤمنون الآية ٨٧
(٥) سورة المؤمنون الآية ٨٨
(٦) سورة المؤمنون الآية ٨٩
[ ١٢ / ٢٨٩ ]
هكذا نجد الجاهلية الأولى توحد الله رب العالمين في ربوبيته، ولكن القوم كانوا يتناقضون فيشركون في عبادته غير ملتزمين بما يلزمهم توحيدهم في ربوبيته وكيفية الالتزام، إذا كان الله قد تفرد بخلق السماوات والأرض وما فيهما وتفرد بتدبير خلقه وأرزاقهم وآجالهم، فيجب أن يفرد بالعبادة، هذا ما يقتضيه المنطق السليم ويدعو إليه العقل الصريح، ويوجب الشرع الحكيم ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (١).
هكذا يتناقض الجاهليون الأولون يؤمنون ويشركون، وصدق الله العظيم حين يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (٢).
وأما مشايخ الصوفية وأتباعهم فإنهم يشركون بالله في ربوبيته وعبوديته بل ويصرفون الناس عن عبادته تعالى، بل إنهم يصرفون الناس عن كل ما جاء به رسول الله ﵊ من شريعة وعقيدة، ويزهدون فيه من أطاعهم حتى يخلصوا لهم في طاعتهم وخدمتهم دون مزاحم.
وكل من يدين بدين الصوفية فهو يشرك بالله في الربوبية والعبادة، عرف بذلك من عرف وجهل من جهل، ولا تقبل دعواهم بأنه يشهد ألا إله إلا الله، حيث إنهم يأتون بما يناقضه في كل وقت، بل كل لحظة، ولأن الإيمان بالله لا يقبل إلا الكفر بالطاغوت كما نص على ذلك القرآن الكريم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).
فليفطن القارئ أن الآية قدمت الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله تعالى على ضوء كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لأن التخلية قبل التحلية كما يقولون.
إذا كان هذا شرك المشركين الأولين، شرك في العبادة، وتوحيد في الربوبية، وشرك مشايخ الصوفية شرك في العبادة والربوبية ويدل على ذلك ما سمعناه من أقوال مشايخهم ودعايتهم وتصريحاتهم، يتبين من هذه المقارنة أن مشايخ الصوفية أشد كفرا وزندقة، وأبعد عن الطريق الموصل إلى الله، ألا وهو التمسك بدين الله الذي جاء به رسول الله ﵊ شريعة
_________________
(١) سورة النحل الآية ١٧
(٢) سورة يوسف الآية ١٠٦
(٣) سورة البقرة الآية ٢٥٦
[ ١٢ / ٢٩٠ ]
وعقيدة، مع الكفر بما عداه مما يخالفه ويعارضه من الطرق المنتشرة في الأقطار الإسلامية التي تسمى طرق الصوفية وغيرها من صور الجاهليات الأخرى التي سوف نتناولها بالبحث إن شاء الله.
والله الموفق. . .
هذا، وإن الكلام حول هذه الجاهلية طويل الذيل ومتشعب، لأن الطرق الصوفية المنتشرة اليوم في العالم الإسلامي قد اتخذت كل طريقة أسلوبا خاصا لإفساد عقيدة المسلمين السذج وسلب أموالهم وتغيير مفاهيم كثيرة من الدين لديهم، وهم فيما بينهم مختلفون ومتناحرون، ولكنهم متفقون على محاربة الشريعة التي ترفعوا عنها وزهدوا فيها، لأنهم أصبحوا أصحاب الحقيقة التي لا يعلمها - في زعمهم - إلا مشايخ الصوفية.
[ ١٢ / ٢٩١ ]