يزعم ابن عجيبة الصوفي الفاطمي بأن واضع علم التصوف هو رسول الله ﵊، علمه الله بالوحي والإلهام، ثم يقول ابن عجيبة في تفصيل ذلك في عجائبه وأكاذيبه الكثيرة: نزل جبريل أولا بالشريعة، فلما تقررت نزل ثانية بالحقيقة، فخص بها رسول الله بعضا دون بعض، وأول من تكلم بالتصوف هو علي بن أبي طالب ﵁، وأخذ عنه الحسن البصري (١).
والقارئ البصير يدرك من كلام هذا الزنديق الصلة الوثيقة بين بدعة الصوفية وبدعة الشيعة التي تعبد أئمتها وتؤلههم، وما الصوفية إلا خطا ممدودا متفرعا من دين الروافض الخبيث.
وكلام ابن عجيبة هذا فرية جائرة وجريئة على رسول الله - كما لا يخفى على طالب علم - وبهت له ﵊ بجريمة الكتمان، وهل يتهم النبي الأمين محمدا عليه الصلاة بكتمان الحق الذي أرسل به ليبلغه للناس وقد أمره ربه بذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) - إلا الزنديق المارق الذي يريد أن يصرف الناس عن الإسلام لو استطاع.
_________________
(١) هذه هي الصوفية ص ٢ نقلا عن إيقاظ الهمم في شرح الحكم ص ٥ لابن عجيبة.
(٢) سورة المائدة الآية ٦٧
[ ١٢ / ٢٧٤ ]
ويتضمن زعم ابن عجيبة بهتا آخر على الرسول ﵊ وهو تخصيص آل البيت بشيء من العلم والدين لا يعلمه سائر الصحابة حتى أبو بكر وعمر وعثمان.
ومن جهة أخرى أن المعروف من معاني الإيمان بالرسول ﵊ الإيمان بأنه ﵊ بين ما أنزل عليه وما أوحي إليه، بلاغا عاما شاملا، وأنه أمين الله على وحيه، وكلام ابن عجيبة الذي يتحدث عن واضع علم التصوف - على حد تعبيره - يتنافى وهذا الإيمان كما ترى.
وأما تخصيص آل البيت بشيء من العلم والدين دون غيرهم، فهذه فكرة موروثة ورثتها الصوفية من أسيادهم (الشيعة)، وقد نفى هذا الزعم علي بن أبي طالب نفسه، حيث روى مسلم حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: «كنت عند علي بن أبي طالب ﵁ فأتاه رجل فقال: ما كان النبي يسر إليك؟ فغضب وقال: ما كان النبي ﵊ يسر إلي شيئا يكتمه الناس غير أنه قد حدثني بكلمات أربع. قال: فقال: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: قال رسول الله ﷺ: لعن الله من لعن والديه. لعن الله من ذبح لغير الله. لعن الله من آوى محدثا. لعن الله من غير منار الأرض (١)».
ثم إن كلام ابن عجيبة ووراءه ابن عربي وابن الفارض وغيرهما من كبار مشايخ الصوفية يتضمن أن أبا بكر وعمر وعثمان لا يعلمون بعض الأمور - وهي من الدين - قد يعلمها مشايخ الصوفية وهو ما سموه حقيقة أو تصوفا، وهل يعتبر دينا ما لم يعلمه أبو بكر وعمر وعثمان، وقد أمرت الأمة بالأخذ بسنتهم والاقتداء بهم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي (٢)» الحديث «اقتدوا بالذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر (٣)».
وأما ابن الفارض فقد تحدث عن دين الصوفية بإسهاب في تائيته الكبرى، ودين الصوفية الذي انتهى إليه كبار الصوفية ويشمر عن ساعد الجد صغار الصوفية للوصول إليه هو (وحدة الوجود) واعتقاد أن الله ﷾ عين هذا الوجود، وهي زندقة تحملها أبيات تائية لابن الفارض، فلنسمع بعضها إذ يقول ما هو كفر بواح لدى كل فقيه:
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الأضاحي - حديث ٤٣ - ٤٥ جـ ٤ عبد الباقي ص١٥٦٧.
(٢) أبو داود - كتاب السنة من حديث طويل - ٤٦٠٧، والترمذي في العلم حديث ٢٦٧٨.
(٣) ابن ماجه.
[ ١٢ / ٢٧٥ ]
فقد رفعت تاء المخاطب بيننا وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي
لا فلك إلا ومن نور باطني به ملك يهدي الهدى بمشيئتي
ولا قطر إلا حل من فيض ظاهري به قطرة عنها السحائب سحت
ولولاي لم يوجد وجود ولم يكن شهود ولم تعهد عهود بذمة
ولا حي إلا من حياتي حياته وطوع مرادي كل نفس مريدة
فماذا يحكم القارئ على من هذا كلامه وهو يفتري أن ملكوت كل شيء بيده، وأن الوجود كله قطرة من فيض جوده ومن وجوده وأن كل شيء طوع هواه.
فلنسمع مرة أخرى أيها القارئ إلى فرية لابن الفارض إذ يزعم أن جميع الصلوات التي يؤديها العباد والنساك في جميع الجهات الست، وتلك المناسك التي ينسكها الحجاج والمعتمرون إنما ترفع الحقيقة إلى ابن الفارض من حيث لا يشعر أولئك العباد والحجاج والعمار والطائفون بالبيت العتيق، بل إنه نفسه إنما يصلي - لو كانت له صلاة - لنفسه وذلك إذ يقول:
وكل الجهات الست نحوي توجهت بما تم من نسك وحج وعمرة
لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت
ولا يزال يكرر مزاعمه التي ضلل بها كثيرا من السذج، فيزعم أنه ليس في هذا الوجود متناقضات ولا أضداد أو أغيار أو أمثال، بل الوجود كله حقيقة واحدة. ولا يقال (خالق ومخلوق) أو (رب ومربوب) أو (عابد ومعبود) وذلك حيث يقول:
تعانقت الأطراف عندي وانطوى بساط السوي عدلا بحكم السوية
ثم صرح بأنه هو المعبود الذي يصلي له كل مصل ويسجد له كل ساجد، فيقول:
كلانا مصل واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة
وما كان لي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في أداء كل سجدة
وهذا الهذيان المارق قد صرح به شيخهم الأكبر والزنديق الأكفر ابن عربي الطائي، إذ يقول - مستخدما أسلوب التقديس تلبيسا على الأغمار:
[ ١٢ / ٢٧٦ ]
سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها، تعالى الله عما زعم علوا كبيرا، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
وقال أيضا في موضع آخر من فتوحاته: (إن العارف من يرى الحق (الله) في كل شيء بل يراه عين كل شيء) (٢).
وترى الصوفية قاطبة أن هذا أدق تعريف للعارف بالله، يا سبحان الله إذا سمي الكفر إيمانا، والجهل معرفة، والمروق وصولا ما الذي بقي من الحقائق على ظواهرها؟! وإنما تكد الصوفية ليل نهار وتقدم جميع الوسائل البدعية للوصول إلى هذه الدرجة من الكفر الذي ليس بعده كفر، وليس باسم الوصول.
وما ذكرنا من كلام ابن عجيبة وشرحناه وما أضفنا إليه من كلام ابن الفارض وابن عربي، إنما هو قطرة من بحار كفرهم، ويعرف ذلك بالاطلاع على " فصوص الحكم "، " والفتوحات المكية " وهما لابن عربي، وما جاء في " التائية الكبرى " لابن الفارض، وما ورد في " إيقاظ الهمم في شرح الحكم " لابن عجيبة، وغيرها من الكتب التي كتبها المؤمنون بهم والمدافعون عن معتقداتهم وهي كثيرة.
هذا، وبرهان الدين البقاعي الذي كان يعيش في القرن التاسع الهجري قد ألف كتابا سماه (تنبيه الغبي بتفكير عمر بن الفارض وابن عربي) وكتابا آخر (تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد). وقد دمجهما في كتاب واحد الشيخ السني الداعية عبد الرحمن الوكيل.
والكتاب ينقد التصوف نقدا قاتلا - كما يقول الشيخ الوكيل -: فجزى الله البقاعي والوكيل خير الجزاء على ما قدما من بيان الحق ودحض الباطل ونصح القارئ والمطلع.
وللشيخ عبد الرحمن الوكيل كتاب آخر سماه (هذه هي الصوفية) والكتاب فريد في بابه، وهو مع كثرة النقول المعزوة يمتاز بمعلومات أضافها الشيخ ﵀، تلك المعلومات التي اكتسبها إبان أن كان أسيرا عند الصوفية في صباه كما يحكي الشيخ في هذا الكتاب كيف حاولت الصوفية أن تفسد فطرة الصبي وتزين له دين الصوفية وإبعاده عن
_________________
(١) سورة الشورى الآية ١١
(٢) " هذه هي الصوفية " نقلا عن الفتوحات المكية لابن عربي.
[ ١٢ / ٢٧٧ ]
الخط الموصل إلى الحق وهو الاعتصام بالكتاب والسنة، ولكن الله سلم، فهرب الصبي من الأسر واتصل بجماعة أنصار السنة المحمدية بالقاهرة، فأنقذه الله على يد الجماعة زادها الله من التوفيق.
ولله الحمد والمنة، فالكتاب يحمل في صفحاته معلومات خطيرة عن الصوفية.
وأنا أدعو شبابنا إلى قراءة هذين الكتابين ليدركوا بأنفسهم حقيقة دين الصوفية، وأنه غير الدين الإسلامي في حقيقته. والله المستعان.
وإن كان القارئ يلاحظ أن في هذا الحكم نوعا من القسوة أو المبالغة، وإنما يرجع ذلك لأنه حكم جاء مخالفا للمألوف الموروث، وأما القارئ المتجرد من مألوفات قومه بعقله الحر، وله اطلاع على نصوص الشريعة في باب الردة خاصة، فلا يشك أن ما تدعو إليه الصوفية من وحدة الوجود ومن دعوى حلول الرب تعالى في فرد من مخلوقاته، أو من دعوى الاستغناء عن الشريعة المحمدية بدعوى الأخذ من الله مباشرة، أو نقل الأحكام من اللوح المحفوظ بالنسبة لخواصهم، فلا يتردد في تكفيرهم، وبالتالي لا يتهمنا بالمبالغة أبدا.
هذا، وقد يدعون التأثير في الآجال والأرزاق والشقاوة والسعادة والموت على حسن الخاتمة أو سوء الخاتمة، بل التصرف المطلق في هذا الكون علويه وسفليه، ومن لم يكفر هؤلاء فهو كافر مثلهم أو من أجهل عباد الله. فنسأل الله له العافية.
أما البقاعي فقد نقل في كتابه المذكور: أقوال عدد كبير من أعلام القرن السابع والثامن والتاسع تكفير ابن الفارض وابن عربي شرعا، وهي فتاوى خطيرة لها اعتبارها ووزنها عند أهل العلم.
وقد صنف البقاعي أولئك الشيوخ الذين أفتوا بكفر الزنديقين إلى طبقات مختلفة في الزمن بعد أن بين مكانة كل واحد منهم في علمه وفضله والمذهب الذي ينتسب إليه من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وذكر منهم ٤٠ عالما وإماما بأسمائهم فليراجع كتابه لأهميته.
وخلاصة ما اعتمدوا عليه في تكفيرهم هو: أن كلام الرجلين ابن الفارض وابن
[ ١٢ / ٢٧٨ ]
عربي ومن ذهب مذهبهما مثل ابن عجيبة، إنما يدور حول القول بأنهم مستغنون عن الشريعة التي جاءت في الكتاب والسنة ووصلوا بغير طريق محمد رسول الله إلى الله - في زعمهم.
ثانيا: أنهم صرحوا بالاتحاد والحلول، وأنهم إنما يعبدون أنفسهم كما يعبدهم غيرهم، إذ ليس هناك (خالق ومخلوق) و(عابد ومعبود) لأن الكون عين واحد، وحقيقة واحدة! هذه بعض أسباب تكفير وهي واضحة لدى طالب العلم.
وأما الذين لم يصلوا إلى هذه الدرجة من التصريح بوحدة الوجود فلا يسلمون أيضا من الكفر، بل ينالهم نصيبهم مما أصاب كبارهم من الكفر، لإيمانهم بذلك الكفر الذي تقدم شرحه وتوضيحه، لأن الرضاء بالكفر كفر، وهو أمر لا يختلف فيه فقيهان، اللهم إلا إذا كان له عذر كأن حالت بينه وبين فهم الحقيقة شبهات وجهل فقبل عذره. والله أعلم.
[ ١٢ / ٢٧٩ ]