(أ) تعريف السلف:
إذا أطلق السلف فالمراد بهم أصحاب رسول الله ﷺ ومن سار على طريقهم - وهم أعلام الأمة المشهورون، وفيما يلي نورد بعضا من علماء القرون الثلاثة المفضلة:
[ ١٢ / ٢٦٠ ]
من التابعين من أهل المدينة:
سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين بن علي، وابنه محمد، وعمر بن عبد العزيز، وزيد بن أسلم. ومحمد بن مسلم الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وجعفر الصادق، ومالك بن أنس، وابن الماجشون.
ومن أهل مكة:
عطاء وطاوس ومجاهد، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وابن عيينة، والفضيل بن عياض، والشافعي، والحميدي.
ومن أهل الشام:
رجاء بن حيوة، وعبد الله بن محيريز، وميمون بن مهران، والأوزاعي وابن شوذب.
ومن أهل مصر:
حيوة بن شريح، والليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، والمزني، والبويطي.
ومن أهل الكوفة:
علقمة، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومالك بن مغول، والثوري، وأبو نعيم، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان.
ومن أهل البصرة:
أبو العالية، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وابن المديني، والتستري.
ومن أهل بغداد:
أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو ثور، والطبري.
ومن أهل خراسان:
عبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن نصر المروزي، والسرخسي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة
[ ١٢ / ٢٦١ ]
هذه بعض أسماء أئمة السلف وقد ذكر، اللالكائي ﵀ في أول كتابه (١) مائة وخمسين عالما، ثم في موضع آخر خمسمائة وخمسين شخصا من علماء الأمة ممن عاشوا في القرون الثلاثة المفضلة كلهم على مذهب أهل السنة والجماعة. هذا ليعلم أن المذاهب المنحرفة كانت شاذة في المجتمع الإسلامي ومخالفة لمنهج المسلمين.
(ب) منهج السلف في إثبات الصفات:
مذهب السلف هو ما كان عليه الصحابة ﵃ وأتباعهم فيثبتون كل الصفات التي وردت في كتاب الله ﷿، أو في السنة الصحيحة، ولا يردون شيئا منها أو يؤولونه لأنهم يعتقدون أن صفات الله ﷿ لا تشابه صفات خلقه، كما أن ذاته المقدسة لا تشابه ذوات خلقه فصفاته تليق به ﷿.
والمنهج الذي سار عليه السلف في فهم العقيدة هو ما يلي:
إثبات كل الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة.
(٢) عدم رد شيء منها أو تأويله.
(٣) عدم تحكيم العقل في أمور العقيدة.
(٤) اعتقاد مخالفة صفات الله لصفات خلقه.
جـ) منهج السلف في الرد على المذاهب المنحرفة:
أولا - الرد على المعتزلة الذين يؤولون آيات الصفات على غير معناها، ويثبتون أسماء الله ﷿ بزعم أن في إثبات الصفات مشابهة للمخلوقات فقال علماء السلف:
(١) إن المعتزلة - وكذلك بقية الطوائف المنتسبة للإسلام يقولون: إن لله ذاتا وأسماء لا تشبه ذوات خلقه ولا أسماءهم: فيقال لهم: وكذلك له صفات لا تشبه صفات خلقه إذ إن التفريق بين الأمرين لا دليل عليه.
إن كلام الله ﷾ هو أفصح الكلام وأبلغه كما قال تعالى:
_________________
(١) كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١: ٢٩ - ٤٩) وراجع (١: ٢٣٤ - ٣١٢).
[ ١٢ / ٢٦٢ ]
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١)، وصرف ألفاظه عن ظاهرها إلى معان أخرى يقتضي خلاف ذلك، واتهام الله ﷿ بالعجز عن البيان - سبحانه عما يقول الظالمون؛ ثم يزعمون أن البشر من الفلاسفة والمتكلمين أقدر منه ﷿ على البيان فيحمل كلامه ﷾ على غير ظاهره، وهذا فوق أنه كفر صريح سوء أدب مع الله ﷾.
(٣) إن المبلغ عن الله ﷿ وهو الرسول ﷺ، أفصح البشر وأحرصهم على ما ينفعهم فيستحيل مع هذا أن يبلغهم كلام ربهم ثلاثة وعشرين عاما وهو يريد معاني أخر من كلامه، ثم لا يبين لهم، والله ﷿ يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢).
(٤) إن أصحاب رسول الله ﷺ، كانوا أفصح الأمة، وأحرصهم على معرفة دينهم، وقد كانوا يسمعون كلام الله ﷿ ثلاثة وعشرين عاما وهو مملوء بذكر صفات الله ﷾ ولم يستشكلوا شيئا منها لعلمهم بأن معناها على ظاهرها، بما يليق في حق ربهم ﷾، ولو كان خلاف ذلك لنقل عنهم (٣).
ثانيا - الرد على المشبهة الذين أساءوا فهم آيات الصفات فلم يفرقوا بين صفات الخالق والمخلوق لاشتراك الصفتين في الاسم.
قال علماء السلف:
إن الله ﷾ خالق الخلق، وموجد الكون وهو الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله، والخلق موجود من العدم ويلحقه النقص في ذاته وصفاته وأفعاله فكيف يسوى بين خالق كامل سبحانه ومخلوق ناقص. تعالى الله عن جهل الجاهلين وفهم المنحرفين.
يقول ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٤) وهم يقولون بل هو مثل خلقه ويقول ﷾: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥) وهم
_________________
(١) سورة النحل الآية ٨٩
(٢) سورة النحل الآية ٤٤
(٣) راجع مختصر الصواعق المرسلة (أوائل الجزء الأول).
(٤) سورة الشورى الآية ١١
(٥) سورة الإخلاص الآية ٤
[ ١٢ / ٢٦٣ ]
يقولون بمشابهة صفاته لصفات خلقه، وهذا يقتضي وجود كفو وشبيه به سبحانه ﷿ وتعالى عما يقولون ".
وهذا القول قد اندثر القائلون به، إذ قليل العقل يكفي لمعرفة بطلانه.
ثالثا - الرد على الأشاعرة الذين يثبتون بعض الصفات ويؤولون البعض الآخر بزعم أن المؤول فيه مشابهة.
قال علماء السلف:
(١) كما أنكم تقولون: إن له ذاتا وأسماء وصفات معدودة لا تشبه ذوات الخلق ولا أسماءهم ولا صفاتهم، فقولوا في المؤول مثل ما قلتموه في المثبت إذ هذا تفريق بمجرد الظن، والظن لا يغني من الحق شيئا.
(٢) ويرد عليهم كذلك بما تقدم في الرد على المعتزلة لمشابهتهم لهم في هذا الأمر.
(٣) ويرد على الجميع بما تقدم في أول المبحث من أن العقل عاجز عن إدراك الأمور الغيبية بنفسه استقلالا لخضوعه للمعلومات الحسية.
[ ١٢ / ٢٦٤ ]