للمعرفة وسائل متعددة ولكنها تنقسم إلى قسمين:
قسم ذاتي - أي يملكه الإنسان وهو الحواس والعقل.
وقسم خارجي منه - وهو الوحي: الكتاب والسنة.
وسندرس كلا القسمين بإيجاز:
[ ١٢ / ٢٤٨ ]
أولا: القسم الذاتي
(أ) الحواس - كل إنسان مزود بمجموعة من الحواس يستطيع أن يدرك بها جانبا واحدا من الحياة وهو: المحسوسات فقط، فالعين تبصر الأشياء المحسوسة، والأذن تسمع الأصوات، والفم يتذوق المطعومات والمشروبات، والأنف يشم الروائح، واليد تلمس الأشياء فتعرف بعض مظاهرها كالحرارة والبرودة وما شابه ذلك.
هذه هي الأشياء التي يمكن أن تعرف بالحس فقط، علما بأنها كذلك غير موثوقة فقد تتعرض أحيانا للخداع فتعطي معلومات خاطئة.
فالبصر أحيانا يرى السراب في شدة الظهيرة، ويعطي للعقل معلومات بأن هناك ماء، وهو في هذه الحالة مخدوع بهذه الرؤية.
وقد يرى الجسم المستقيم الذي يكون في الإناء الذي به ماء منكسرا وهو في الحقيقة ليس كذلك.
والحواس الأخرى قد تتعرض لشيء من ذلك الخداع فهي رغم أنها وسيلة صادقة إلا أنها قد تخدع في بعض معلوماتها.
(ب) العقل - إن من أعظم النعم على هذا الإنسان ما زوده الله ﷿ به من تلك القوة العجيبة، التي لا يستحق الإنسان وصف الإنسانية إلا بها ألا وهي " قوة التعقل "، إذ لولاها لكان الإنسان في عداد الحيوانات.
ولما كان العقل شيئا لا يحس، وإنما يدرك بأثره لأنه ليس شيئا محسوسا، فإن وظيفته تتناسب مع حقيقته، فهو يدرك الجانب الثاني من الحياة وهو ما كان خارجا عن دائرة الحس،. . وإن كان هناك تلازم بين عمل الحس والعقل، إذ لولا العقل لما كان للحواس فائدة في المعرفة.
ونستطيع أن نقول: إن العقل يدرك بواسطة الحس كما أن الحس يدرك بواسطة العقل، وإن كان في هذا القول تجوز في التعريف، ولكنه أقرب إلى الحقيقة مع اتساع الدائرة التي يعمل فيها العقل. . . إذ إن هناك قوى يعمل من خلالها العقل كقوة التخيل
[ ١٢ / ٢٤٩ ]
والتصور ولكنه رغم ذلك يبقى مرتبطا بالحس.
فالمنافذ التي توصل المعلومات إلى العقل هي الحواس الخمس. فإذا رأى - مثلا - في بلده جبلا كبيرا ثم قيل له: إن في البلد الفلاني جبلا كبيرا جدا فإنه يستعيد صورة الجبل التي رآها ثم يضخمها حتى تتناسب مع وصف الجبل الثاني.
ولو قيل لإنسان لا يعرف الفيل: إن الفيل حيوان كبير لتصور أكبر حيوانات بلده ثم قارنه به.
ولوكان للذرة الصغيرة عقل وهي لا تعرف الفيل، ثم قيل لها: إن الفيل حيوان ضخم جدا، لتصورته مثل أكبر ذرة من الذر أو أكبر نملة من النمل الذي تقرب صورته من الذر.
ومهما حاول صاحب العقل أن ينفك من آثار المعلومات الحسية فإنه لا يستطيع، فلو حدث بأشياء ليس لها مثال ولا شبيه محسوس لصعب عليه تصديق ذلك.
فلو قيل له قبل ألف سنة: إن الإنسان سيطير في الهواء ويغوص في الماء، ويرى إنسان الصين إنسان الأندلس، ويسمع صوته لاتهم المتكلم بالسفه والجنون؛ لأن ذلك لم يره ولم يسمع عنه من قبل.
ولو أن أحد الأعراب في البادية، دخل بعض المدن إبان ظهور الأجهزة الإذاعية ثم رجع إلى قومه وأخبرهم بأنه رأى حديدا يتكلم، بدون أسنان ولا لسان ولا شفتين ولا رئة لما صدقوه ولاتهموه بالسفه والجنون.
وما ذلك إلا لأنهم لم يألفوا ذلك المنظر ولم يشاهدوه أو يشاهدوا مثله من قبل. وكذلك فإنهم لا يستطيعون أن يدركوا شيئا على خلاف ذلك.
فهم مأسورون لحواسهم، لا يستطيعون أن يحكوا بخلاف ما عرفوه وشاهدوه. ولكن العقل رغم ذلك قادر على معرفة بعض الأمور التي لا تخضع للحس بواسطة الاستنتاج والملاحظة.
فإذا رأى - مثلا - قطعة حديد تجذب حولها قطعا أخرى من الحديد حكم بأن بها قوة مغناطيسية.
[ ١٢ / ٢٥٠ ]
وإذا رأى شمعة مضاءة، حكم بأن التيار الكهربائي متصل بها - وإذا رأى ماء يغلي عرف أن بجانبه طاقة حرارية. . . وهكذا وهكذا يصدر حكمه بوجود شيء بناء على وجود شيء آخر، هو أثر له أو سببه الملازم له. ولكنه لا يستطيع وصف ذلك المحكوم بوجوده: وهو المغناطيس والكهرباء والحرارة - لأنه لم يرها ولم ير شبيها بها فحكمه لا يستطيع مجاوزة الإثبات. هذا تعريف موجز للحواس البشرية ومدى ما يمكنها معرفته.
فالعقل إذن صالح لمعرفة خالقه ﷿ وأنه هو الخالق الموجد، ولكنه لا يستطيع معرفة صفاته وأسمائه، ولا معرفة ما يحبه وما يكرهه، وهذه أمور ليس في مقدور العقل إدراكها أو معرفتها بنفسه استقلالا. وإذا ما حاول ذلك بنفسه فإنه يضل السبيل ويتعثر في المسير. . ثم حتى معرفته لها إنما هي معرفة وجود لا كيفية كما قال مالك ﵀: (الاستواء معلوم والكيف مجهول) (١).
وقد حاول جماعة من علماء الكلام أن يصلوا إلى معرفة أسماء الله وصفاته بعقولهم، فكانت نتيجتهم الحيرة والضلال، ثم ندموا واعترفوا بقصور العقل من ذلك، وفيما يلي نماذج من كلامهم.
يقول الرازي:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢)، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٣).
_________________
(١) راجع كتاب " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " للالكائي (رقم: ٦٦٤).
(٢) سورة طه الآية ٥
(٣) سورة فاطر الآية ١٠
[ ١٢ / ٢٥١ ]
واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٢).
ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ".
ويقول الجويني:
(لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لفلان وها أنا أموت على عقيدة أمي) (٣).
فهذه النماذج تؤكد عن تجربة، أن العقل لا يستطيع معرفة هذه الحقيقة بنفسه مستقلا، فلا بد إذن من وسيلة أخرى تكون مأمونة من الخطأ، معصومة من الزلل. . وليس هناك إلا وسيلة واحدة أنعم الله بها على هذا الإنسان ألا وهي وسيلة " الوحي " التي عرف بها الأنبياء ربهم وعرفوا الناس به ﷾. وهذا هو القسم الثاني من وسائل المعرفة.
_________________
(١) سورة الشورى الآية ١١
(٢) سورة طه الآية ١١٠
(٣) راجع الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ١٠ - ١١ من مجموع الفتاوى ج٥ ترتيب القاسمي.
[ ١٢ / ٢٥٢ ]