قال ابن كثير في البداية والنهاية ص ٣٢٨ ج ١ بعد أن ساق قصة موسى ﵇ مع الخضر قال ﵀.
(وقد دل سياق القصة على نبوة الخضر من وجوه: -
أحدها: قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (١)
الثاني: " قوله تعالى حكاية عن قول موسى للخضر ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٢) ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (٣) ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ (٤) ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (٥) ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (٦) الكهف (٦٦ - ٧٠).
قال ابن كثير: (فلو كان وليا وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة ولم يرد على موسى هذا الرد بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه، فلو كان غير نبي لم يكن معصوما ولم تكن لموسى وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عليه ولو أنه يمضي حقبا من الزمان، ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه واتبعه في صورة مستفيد منه دل على أنه نبي مثله يوحى إليه كما يوحى إليه وقد خص من العلوم الكونية والأسرار النبوية مما لم يطلع الله عليه موسى الكليم نبي بني إسرائيل الكريم).
وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرماني على نبوة الخضر ﵇.
الثالث: إن الخضر أقدم على قتل الغلام وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام وهذا دليل مستقل على نبوته وبرهان ذلك على عصمته، لأن
_________________
(١) سورة الكهف الآية ٦٥
(٢) سورة الكهف الآية ٦٦
(٣) سورة الكهف الآية ٦٧
(٤) سورة الكهف الآية ٦٨
(٥) سورة الكهف الآية ٦٩
(٦) سورة الكهف الآية ٧٠
[ ٢٣ / ٢٨٦ ]
الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يدور في خلده لأن خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم علما منه بأنه إذا بلغ يكفر ويحمل أبويه على الكفر لشدة محبتها له فيتبعانه على الكفر ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر، وعقوبته دل ذلك على نبوته وأنه مؤيد من الله بعصمته.
وقال ابن كثير: (وقد رأيت أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه وحكى الاحتجاج عليه الرماني أيضا).
الرابع: إنه لما فسر الخضر تأويل تلك الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره قال بعد ذلك كله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (١) الكهف (٨٢). يعني ما فعلته من تلقاء نفسي بل أمرت به وأوحي إلي فيه فدلت هذه الوجوه على نبوته، ولا ينافي ذلك حصول ولايته بل ولا رسالته كما قاله آخرون وأما كونه ملكا من الملائكة فغريب جدا. وإذا ثبتت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته وإن الولي قد يطلع على حقيقة الأمر دون أرباب الشرع الظاهر مستند يستندون إليه ولا معتمد يعتمدون عليه.
_________________
(١) سورة الكهف الآية ٨٢
[ ٢٣ / ٢٨٧ ]