وهي من أفضل الطرق وأنجحها، إذ أن خطاب الله تعالى للناس يبدأ بتعليهم فروض الدين وأركان الإيمان، ومحاسن الأخلاق، والحلال والحرام. وهذه الطريقة هي طريقة "البلاغ" التي أمر الله بها سائر الرسل والنبيين.
﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (١).
والرسول محمد ﷺ كان يقول: «إنما بعثت معلما (٢)» وكان يقول لأهل مكة من محكم التنزيل: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٣).
وقد طبق هذه الطريقة عمليا في مواطن كثيرة حين يرى منكرا لا يقدر الآخرون على اختيار الأسلوب المناسب لإزالته، من ذلك مثلا حادثة الرجل الذي لم يحسن صلاته فعلمه كيف يصلي. وحادثة الأعرابي الذي بال في مسجده ﷺ، فهم به الصحابة - أي أرادوا تأديبه عنفا- فقال ﷺ - «لا تزرموه (٤)» أي لا تقطعوا عليه البول. ثم قال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء (٥)». وفي رواية أنه قال «دعوه وأريقوا على بوله سجلا- أي دلوا- من ماء فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين (٦)».
وهكذا طبق الصحابة هذه الطريقة التعليمية ومن جاء بعدهم من السلف وكانوا يفترضون في الذي يأمرونه بالمعروف أو ينهونه عن المنكر عدم العلم، فيختارون الأسلوب الأمثل لتعليمه، حتى لا تأخذه العزة بالإثم.
_________________
(١) سورة الجن الآية ٢٨
(٢) سنن ابن ماجه المقدمة (٢٢٩)، سنن الدارمي كتاب المقدمة (٣٤٩).
(٣) سورة الأنعام الآية ١٩
(٤) صحيح البخاري الأدب (٦٠٢٥)، صحيح مسلم الطهارة (٢٨٥)، سنن النسائي المياه (٣٢٩)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (٥٢٨)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ١٩١).
(٥) صحيح مسلم الطهارة (٢٨٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ١٩١).
(٦) رواه البخاري، وأحمد بن حنبل.
[ ٢٣ / ٢٧٤ ]
من ذلك حادثة اشتهرت عند الناس، كان المعلمان فيها طفلين صغيرين- وربما هما الحسن والحسين ﵄ حين رأيا رجلا لا يحسن الوضوء، فقال أحدهما يا عم، زعم أخي هذا أني لا أحسن الوضوء، فانظر إلى وضوئي. فتوضأ كأحسن ما يكون الوضوء ثم قال الآخر انظر إلى وضوئي. فتوضأ كأحسن ما يكون الوضوء فأدرك الرجل عندئذ أنه هو المخطئ في وضوئه. وقال لهما لا شيء في وضوئكما. وإنما وضوئي أنا هو الناقص ".
وهكذا ينبغي أن يسير مريد الحسبة، بعيدا عن الغلظة أو الجفوة أو التعالي أو قذف الناس بالجهل، فينفر القريب، ويتباعد البعيد. . على أنه كان في استطاعته أن يقول لمن يأمره بمعروف أو ينهاه عن منكر " هذه يا أخي فريضة أمر الله بها، أو هذه معصية نهى الله عنها".
" ففي الناس من يقصر في طاعة، ولا يعلم أنه مأمور بها، وفيهم من يفعل معصية ولا يعلم أنه منهي عنها، فلا بد من تعريفه بالحكم أولا " (١)، ولا ينزل إلى طريقة أخرى إلا إذا تأكد له أن المخاطب غير جاهل بالحكم حينئذ يختار أسلوبا آخر.
_________________
(١) بيانوني، الأمر بالمعروف ٤٩.
[ ٢٣ / ٢٧٥ ]