أما وجود المقتضي فإن محمدا ﷺ دعاهم إلى توحيد الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وهذا ما جعلهم يقفون في وجه دعوته، خاصة زعماء قريش؛ لأنهم عرفوا أن دعوة الرسول ﷺ تقضي على امتيازاتهم القبلية ومواقعهم الاجتماعية وتجعل الولاء والتوجه لله وحده، وهذا يفقدهم زعامتهم التي بنيت على اعتبارات جاهلية لم يقرها الإسلام ونفاها، وجعل الميزان الذي يوزن به الناس التقوى، فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١).
وقد كان العرب يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، فعاب عليهم القرآن فعلتهم هذه وسفه أحلامهم؛ لأن العاقل السوي لا يعبد صنما ينحته بيده أو يصنعه من تمر إذا جاع أكله، بل أكثر من لك فقد سجل القرآن أن كل من وقف في وجه الدعوة عنادا وكفرا أضل من الأنعام وكالدواب
_________________
(١) سورة الحجرات الآية ١٣
[ ٢٣ / ٢٢٧ ]
والكلاب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٣) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤).
ومن هنا كانت حاجتهم ماسة وحرصهم شديدا على أن يأتوا ولو بسورة من مثله؛ ليبطلوا حجة محمد ﷺ بأن القرآن من عند الله ويثبتوا أن مسلكهم في العبادات وفي كل حياتهم صحيح، وأن ما وصفهم به القرآن بأنهم كالأنعام والدواب والكلاب وغير ذلك إنما هو باطل، لكن شيئا من ذلك لم يحدث.
يقول الرافعي في وقفة له عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (٥) " تأمل نظم الآية تجد عجبا، فقد بالغ في اهتياجهم واستفزازهم؛ ليثبت أن القدرة فيهم على المعارضة كقدرة الميت على أعمال الحياة لن تكون ولن تقع، فقال لهم: " ولن تفعلوا " أي هذا منكم فوق القدرة وفوق الحيلة وفوق الاستعانة وفوق الزمن، ثم جعلهم وقودا ثم قرنهم إلى الحجارة ثم سماهم كافرين، فلو أن فيهم قوة بعد لك لانفجرت ولكن الرماد غير النار " (٦)
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٧٩
(٢) سورة الأنفال الآية ٥٥
(٣) سورة الأعراف الآية ١٧٥
(٤) سورة الأعراف الآية ١٧٦
(٥) سورة البقرة الآية ٢٣
(٦) الرافعي، إعجاز القرآن ص ١٩٢ (هامش).
[ ٢٣ / ٢٢٨ ]