ودين الإسلام لم ينه عن دعوة هؤلاء، ولا عن إبانة الحقيقة لهم، ولا عن مجادلتهم مع أنهم متحمسون لعقائدهم، متشددون في باطلهم.
بل إن منهج هذا الدين الحرص على الدعوة والتوضيح لكل ذي لب، حتى تقوم الحجة، وتبرأ الذمة، ونعى بالذات على أهل الكتاب في مواضع كثيرة بالرفق واللين وحسن المجادلة، ثم المباهلة عندما يشتدون في باطلهم، ويتجاهلون ما لديهم من حقائق يحاولون طمسها مغالطة، كما قال سبحانه:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
لأن الجدال المتشدد في دين الله مما يورث الهزيمة، ويوقع النفوس في أشد
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٤٦
[ ٢٣ / ٢١٦ ]
ما نهيت عنه، إذ يوردها المهالك، كما قال ﷾: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ (١)، وأداء لحق العهد المأخوذ على من عرف شرع الله بتوضيحه للناس حتى لا يقع فيما وقع فيه أهل الكتاب من قبل من كتمان الحق، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (٢). واستجابة لأمر الله وخوفا من وعيده في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (٣)؛ فإن من واجب من يشارك في أمثال هذه اللقاءات، عليه أن يكون متصفا بأمور منها: -
١ - العلم فيما يتحدث عنه، والإحاطة بجوانبه حتى لا تنزلق قدمه بعثرة في لسانه، فتحسب غلطة على الأمة الإسلامية، أو تلصق بالدين نفسه، خاصة عند أمثال هؤلاء الذين يعتبرون ما يصدر عن الأشخاص تعبيرا عن شعور الأمة، وانعكاسا للعقيدة.
٢ - الإدراك لما قصدوه في ندواتهم هذه، وما قدموه للملأ من موضوعات؛ لإبانة نظرة الإسلام وتوضيحه للأمور من منطلق المفهوم الإسلامي، حسبما وضح من مصدري التشريع فيه، وفهمه الصفوة الأولى من هذه الأمة، لا من زاوية ادعاءاتهم هم.
٣ - الحلم وضبط النفس: فالمناظرات والمداولات تستدعي الإثارة، ومن يغضب يسيء من حيث أراد الإحسان، أما الحليم فإنه يستجر من يناظره برفق ولين حتى يدرك خفايا نفسه، ثم يسيطر على الموقف لاقتران حلمه بالإدراك والعلم.
_________________
(١) سورة غافر الآية ٤
(٢) سورة آل عمران الآية ١٨٧
(٣) سورة الزخرف الآية ٤٤
[ ٢٣ / ٢١٧ ]
٤ - التواضع ولين الجانب من غير ضعف، وذلك مما يعلي مكانة العلماء، ويحببهم لنفوس الآخرين، مهما كانت الخصومة، ويدعوهم هذا للاستجابة والأخذ عنهم، فقد جاء في الحديث الشريف: «من تواضع لله رفعه (١)» رواه أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري (٢)، فالكبر يغلف النفس برداء الاحتقار والازدراء.
٥ - المثالية في التطبيق؛ لأن ثمرة العلم العمل، وعلم بلا عمل كما قال العلماء: كشجر بلا ثمر. والمثالي يكون قدوة صالحة في نفسه، ونموذجا حيا للاقتداء، ولقد جاء الوعيد الشديد لمن يعمل بخلاف ما يقول، من ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤).
على أن يسبق فكرة المشاركة في أي لقاء دراسة جدوى المشاركة، وما يترتب عليها من مصالح، ونوايا المشاركين والداعين والخلفية الفكرية والعقدية عن كل فهم، مع أخذ ذلك بعمق وحيطة، استرشادا بما جاء في كتاب الله ﷿ من كشف نوايا أهل الكتاب - اليهود والنصارى - في مثل هذه الآيات الكريمات، التي تخاطبهم وتدعوهم إلى الحق، وتبين لهم ما وقعوا فيه من العيوب والأخطاء، وتدعوهم إلى كلمة سواء: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٥) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٦) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧) ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٨) ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٩).
_________________
(١) صحيح مسلم البر والصلة والآداب (٢٥٨٨)، سنن الترمذي البر والصلة (٢٠٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٣٨٦)، موطأ مالك الجامع (١٨٨٥)، سنن الدارمي الزكاة (١٦٧٦).
(٢) انظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس ٢: ٢٤٢.
(٣) سورة الصف الآية ٢
(٤) سورة الصف الآية ٣
(٥) سورة آل عمران الآية ٦٩
(٦) سورة آل عمران الآية ٧٠
(٧) سورة آل عمران الآية ٧١
(٨) سورة آل عمران الآية ٧٢
(٩) سورة آل عمران الآية ٧٣
[ ٢٣ / ٢١٨ ]
إذ مهمة من يتحدث باسم الإسلام في لقاء خطير كهذا، أن ينطلق من عقيدة الإسلام فكرا وعملا واعتقادا، حتى يحقق الثمرة المرجوة منه.
ولعلنا لو رجعنا إلى دقائق التقارير، والأخبار المرصودة عن تلك الدعوات الموجهة عنوة للمسلمين، وتابعها الغيورون من المسلمين، فإننا سوف نراها تسير في خط مغاير للإسلام هدفا وتشريعا وفكرا للأسباب التالية: -
١ - يعتبرون هنري دومونث مؤسس الصليب الأحمر رمز الإحسان، ودارون صاحب نظرية التطور والارتقاء، والذي يرى أن الإنسان أصله قرد، رمزا للتطور، وكارل ماركس مؤسس الاشتراكية الشيوعية رمز المساواة.
وهؤلاء كلهم يهود الانتماء، ومعلومة أفكارهم ومبادئهم، فهم يعتبرونهم من رموز الإنسانية.
٢ - يرون أن كل الأديان بمستوى واحد ويعدون منها اليهودية والنصرانية والإسلام وكذلك البوذية وأيضا الماسونية والمؤمنون الأحرار بإله واحد في النصارى.
٣ - يضعون صلاة مشتركة اخترعوها من أنفسهم بصفتها ووقتها يمارسها من ينتمي إلى دعواتهم، أسموها صلاة روح القدس، وكذلك نشيدا يردده الجميع أسموه نشيد الإله الواحد: رب وأب.
٤ - اللوائح التي وضعوها داخلية، تسعى لإذابة الفوارق الدينية، ومسخ الشخصية، ويهدفون من ذلك بالدرجة الأولى الشخصية الإسلامية.
[ ٢٣ / ٢١٩ ]
٥ - يعتبرون يوم صلاة البابا في أسيس ٢٧ أكتوبر عيدا لكل الأديان، ويوم أول يناير هو يوم التآخي.
٦ - أما شعارهم فيتثمل في راية عليها شعار الأمم المتحدة وقوس قزح وإشارة (٧) رمز النصر، وهو اسم أول سفينة اكتشفت القارة الأمريكية، وحملت رسالة النصرانية إلى تلك البلاد.
وكل هذه تختلف شكلا ومضمونا عن المعتقد الإسلامي، وتعمق جذورا ينهى عنها الإسلام، وقد نهانا رسول الله ﷺ عن التشبه بأعمال وأفعال المناوئين لشرع الله. . وهذا مما يجب أن يدركه المشارك لهم في اللقاء؛ ليرفضه أو يطلب استبداله في مدخله معهم للحوار كشرط أولي؛ لإشعارهم بفهم المشارك واعتزازه بدينه.
أما غير المعلن من النوايا، فهو ما يهدف دعاة هذه المبادئ من ورائه إلى زعزعة الإسلام من النفوس، ومحاولة تقويض دعائمه لتثبيط الهمم عنه خوفا وحسدا: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١) خاصة بعد أن أحسوا بعودة جديدة من المسلمين ولا سيما الشباب لدينهم، ورغبة من بعض المفكرين الغربيين الانتماء للإسلام عقيدة أو فكرا أو دراسة.
إن وحدة الأديان التي يدعون إليها ليست جديدة، وإن تغيرت مسمياتها بما يحاول به دعاتها الخداع والمراوغة، ولعل هذا مما يتضح لنا من استقراء الحوار الفكري في القرآن، ومجادلة أهل الكتاب مع رسول الله ﷺ، وإن أخذت التسمية الجديدة نمطا خاصا فهي في جوهرها تلتقي مع الأصل في الهدف والغاية، كما مر في الآيات السابقة قولهم: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ (٢) إن مشاركة المسلمين في أمثال هذه اللقاءات يجب أن ينطلق من العقيدة الإيمانية والحجة الداحضة، والفهم العميق لما يراد
_________________
(١) سورة الأنفال الآية ٣٠
(٢) سورة آل عمران الآية ٧٣
[ ٢٣ / ٢٢٠ ]
الدخول فيه، مع النية الصادقة. . وأن تكون الدعوة إلى كلمة سواء، أبانها الله لرسوله ﷺ في دعوة أهل الكتاب للحق بقوله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١).
- وأن نربطهم بعقيدة التوحيد بالله ربا واحدا لا شريك له وأن محمدا عبد الله ورسوله، فلا تفريق في شرع الله، ولا تفريق بين رسل الله، إذ الإيمان كل لا يتجزأ: بالله، وبملائكته، وبرسله، وبكتبه، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فندعوهم إلى حقيقة الإيمان، وإلى البراءة مما يخالف أمر الله، وشرعه الذي شرع.
- نشعرهم أن منطلقنا اليوم هو منطلقنا بالأمس حيث اقتفى أسلافنا أثر رسول الله ﷺ واتبعوا ما جاءهم به، وعندما دخل أهل الكتاب مع رسول الله ﷺ قبل خمسة عشر قرنا من الباب الذي فتحوه اليوم على نطاق أوسع، وبأساليب أخبث؛ لاحتواء الديانات كلها ومنها الإسلام، ومحاولة جعل الهيمنة لهم قياديا وفكريا وعقديا، في تشريع استبدلوه بشرع الله.
- فمهمتنا في أي لقاء أن ندعوهم إلى هدف أسمى، وغاية كبيرة لم تكن من وضع البشر أو مغلفة بمطامع شخصية ونوايا مبيتة نريد أن ندعوهم إلى شيء أراده الله للإنسانية جمعاء، وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، وفيه سعادة من اتبعه في الدنيا والآخرة، وشقاوة من عاند وابتعد عنه الأبدية.
إنها دعوة لاتفاق المقصد في العقيدة والعمل، وتحكيم شرع الله
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ٦٤
[ ٢٣ / ٢٢١ ]
الذي شرع لعباده، وفق ما أمر الله، وحسبما بلغ به رسوله الأمين ﷺ، وجاء على لسان جميع الأنبياء قبله.
- نوضح لهم أننا أقرب إلى إبراهيم الخليل منهم؛ لأنه كان حنيفا مسلما، وشريعة محمد ﷺ هي الإسلام الحنيف، وإبراهيم هو سمى محمدا وأصحابه من قبل بالمسلمين، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١).
وإبراهيم ﵇ الذي يدعون الانتماء إليه نسبا هم مخالفون له عقيدة وعملا كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ (٢).
وقد أبان الله عن تعلقهم الواهي بإبراهيم، مع مخالفتهم له فيما سار عليه هو والأنبياء من بعده بقوله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣).
ومع ادعاءاتهم قديما وحديثا بأحقيتهم في إبراهيم فهم بعيدون عنه، مباينون لمنهجه، وهذه الأمة الإسلامية هي أولى منهم بإبراهيم كما قال جل وعلا: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
_________________
(١) سورة الحج الآية ٧٨
(٢) سورة البقرة الآية ١٤٠
(٣) سورة آل عمران الآية ٦٥
(٤) سورة آل عمران الآية ٦٧
(٥) سورة آل عمران الآية ٦٨
[ ٢٣ / ٢٢٢ ]
ونعرفهم بالحنيفية الصحيحة التي نعتقدها، وهي ملة إبراهيم، فهو لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، وحقيقتها الاتجاه إلى الله بالقلب، وتصديق ذلك بالعمل، فهو واحد أحد فرد صمد لا شريك له، ولا مثيل له ولا نظير كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
فمهمة من يشارك تبيين الحقائق، وتوضيح العقيدة الصحيحة، في مواطن الخلاف برفق ولين وأسلوب مقنع ومباهلتهم بالإذعان للحق، إذا استبان طريق الرشد، وعدم المعاندة، والتعصب الأعمى، كما باهل رسول الله ﷺ نصارى نجران، فرفضوا خوفا من أن يحيق بهم عملهم، ويمحقهم عنادهم، حيث أوضحت ذلك الآية الكريمة في سورة آل عمران:
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (٢).
وأوضح ما دار في الموقف ابن كثير في تفسيره والطبري وغيرهما.
- أما إذا رفضوا الانصياع للحق بعد عرضه، واستمروا في دعاواهم وعصبياتهم الباطلة، وتراءى من كل ذلك الإصرار على جذب المسلمين لمصائدهم، وأن خلف هذه الدعاوى أمر مبيت كما يتضح من ظواهر التقارير والأخبار المرصودة، وكما سوف يبرز من مجريات اللقاءات، فيجب عدم الاستمرار في المشاركة ضمن هذه اللقاءات؛ لعدم صدق النوايا لأن المقاطعة رد عملي على جميع ادعاءاتهم الظاهرة والخفية، ويجب أن نشهدهم على تمسكنا بديننا، والتبرؤ مما يدعون إليه؛ لأنها دعوة باللسان، موجهة إعلاميا، سيئة النوايا نحو
_________________
(١) سورة الشورى الآية ١١
(٢) سورة آل عمران الآية ٦١
[ ٢٣ / ٢٢٣ ]
الإسلام وأهله، ونبتعد عن دعواتهم هذه، ونقول كما أمر الله ورسوله الكريم من قبل: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (١) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (٢) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ (٣) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (٤) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (٥).
ثم يبقى دور المسلمين كتابا ومفكرين في توضيح تلك النوايا للناس، عبر الصحافة الإسلامية والإعلام الهادئ الرصين، وتفنيد الفكرة والهدف، وتكريس الغاية لذلك؛ لأن هذا العمل يجب أن يكون حمية لله، ودفاعا عن دينه الحق، حتى لا يغتر بذلك الأسلوب من لا قدرة لديه على التمييز، وحتى يعرف الباحثون عن الحقيقة عندهم بيقظتهم الفكرية، ما تحت الدعوة المغلفة فيبحثون لهم عن طرق تعينهم على فهم الحقيقة وتباعدهم عن هذه الدعوات، إنها لأمانة يجب أن تراعى، وغاية يجب أن تدرك، وسموم يجب التحذير من أخطارها. . . . والله الهادي سواء السبيل.
د / محمد بن سعد الشويعر
_________________
(١) سورة الكافرون الآية ٢
(٢) سورة الكافرون الآية ٣
(٣) سورة الكافرون الآية ٤
(٤) سورة الكافرون الآية ٥
(٥) سورة الكافرون الآية ٦
[ ٢٣ / ٢٢٤ ]