لم تكن العدالة كلمة تقال أو شعارا ينطق به، بل لقد نفذت تنفيذا عمليا جديا لا محاباة فيه لحاكم أو محكوم مهما علا شأنه وكانت قيمته، وقد جعل للقضاء قدسية وجعل كلمته فوق كلمة الخليفة، وكان يطبق هذا على نفسه وعلى غيره.
جاءه مصري من حلوان يقول له، إن أباه عبد العزيز اغتصب ضيعته في إبان ولايته على مصر، وعنف المصري على عمر فلان له وقال:
نازعني منازعة كريمة، ولا تشتم عرضي فإن لي فيه شركاء وإخوة وأخوات، وهؤلاء لا يرضون أن أرد لك الضيعة بغير القضاء، والرأي أن نذهب إلى القاضي.
واستمع القاضي للمتخاصمين فقضى للمصري، فقال عمر: قد أنفقنا عليها ألف ألف درهم. فنظر القاضي فإذا عمر وأهله قد أخذوا من غلتها بقدر ما أنفقوا: فقال:
[ ٢٣ / ٣٣٢ ]
قد أخذتم منها ما أنفقتم عليها فردوها لصاحبها. فقال عمر:
- بارك الله عليك أيها القاضي. وقام فرد الأرض للمصري (١).
- وكان عمر يستعجل القاضي فيحكم بالحكم متى علم بالمظلمة ووثق من وقوعها حتى لا يلحق بالمظلوم ضرر من طول مدتها، إلا أن يكون هذا بقطع أو قتل يرجع فيه إلى الخليفة، وكان لا يسمح بالتعذيب أو الإيذاء للحصول على اعتراف من المتهم؛ لأن ذلك ينافي الكرامة الإنسانية، ومنذ الساعات الأولى لتولي عمر الخلافة أعلن للناس بتحديد قاطع لا غموض فيه: أن من أراد أن يصحبنا فليصحبنا بخمس: يوصل إلينا حاجة من لا تصل إلينا حاجته، ويدلنا من العدل إلى ما لا نهتدي إليه، ويكون عونا لنا على الحق، ويؤدي الأمانة إلينا وإلى الناس، ولا يغتب عندنا أحدا، ومن لم يفعل فهو في حرج من صحبتنا والدخول علينا (٢).
وكان عمر يراقب عماله وولاته، فإذا أخطأ بعضهم كان التوبيخ وكان الإنذار، فإذا تمادى العامل أو الوالي في خطئه كان العزل والتنحية عن العمل.
وجعل عمر موسم الحج مؤتمرا عاما لجميع المسلمين يسمع مشورتهم، ويأخذ منهم ويعرف عن طريقهم أحوال بلادهم وولاتهم.
هذه هي العدالة التي توخاها عمر بن عبد العزيز، إنصاف الناس جميعا، رفع الظلم عن المظلومين، وإحقاق الحق، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولنسمع إلى صرخاته وهو يطلقها في جموع الحجيج: " أنا معول كل مظلوم، ألا وإن أي عامل من عمالي رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم (٣). "
_________________
(١) المرشد ج ٢ ص ١٢٩.
(٢) ابن عبد الحكم ص ٤٠ - ٤١.
(٣) ابن الجوزي ص ٧٢، ٧٣.
[ ٢٣ / ٣٣٣ ]