كان عمر في فتوته وشبابه ولم يكن بعد قد تزهد ونسك، وكان به ترف ونعيم إلا أنه كان يميل إلى الحق وإلى الخوف والخشية من الله، فإذا وعظه واعظ بكى واستغفر، ولكنه يرجع من جديد إلى ترفه ونعيمه، فقد كان يلبس من الثياب الناعم منها حتى إذا لبسها مرة تركها إلى غيرها، يقول السيوطي: -
كان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضا إلا أنه كان يبالغ في التنعم، فكان الذين يعيبونه من حساده لا يعيبونه إلا بالإفراط في التنعم والاختيال في المشية (١).
وهذه المشية التي كان يمشيها اشتهر بها، فسميت المشية العمرية، وقلدتها فتيات المدينة إلا أنه أقلع عنها بعد الخلافة.
وكان يتطيب من أحسن الطيب حتى أن الناس كانوا يذهبون إلى المغسلة لغسل ثيابهم مكان ثيابه حتى ينالها من طيبه وعطره، وتلك كانت هي القشرة الظاهرة لعمر، أما بداخله فكان في حاجة إلى أن يوقظه أحد.
وفي يوم من الأيام كان يمر بالمدينة ساحبا ثوبه جارا ذيله، فناداه محمد بن كعب القرظي أحد الفقهاء قائلا:
_________________
(١) تاريخ الخلفاء ص ٢١٣.
[ ٢٣ / ٣١٩ ]
- يا عمر إن رسول الله ﷺ قال: «ما جاوز الكعبين فهو في النار». فالتفت إليه عمر مغضبا وأغلظ عليه في الرد وقال له: -
- اتق الله يا كعب، ولا تكن ذبالة تضيء للناس وتحرق نفسها (١).
ولكن ابن كعب الفقيه كان يعرف حقيقة عمر وصفاء نفسه ومعدنه الأصيل الذي يمتلئ بالتقوى والإيمان، وإن كانت تغطيه تلك القشرة الظاهرية من مظاهر الترف والنعيم الذي تربى فيه.
وما زال الفقهاء بعمر حتى أزاحوا عنه تلك القشرة الخارجية، وكشفوا عن معدنه الأصيل الثمين بالتعاون مع مزاحم مولاه، حتى استيقظ الإيمان في نفسه والخوف من الله ﷾ وعقابه حتى لقد قال عمر:
إن أول من أيقظني لهذا الشأن مزاحم، فوالله ما هو إلا أن قال ذلك حتى كشف عن وجهي الغطاء (٢).
_________________
(١) ابن عبد الحكم ص ١٤٦.
(٢) ابن عبد الحكم ص ١٤٦.
[ ٢٣ / ٣٢٠ ]